
بقلم: عبدالمحسن بن محمد عسيري
لم تعد المشكلة في الخطأ نفسه، فالإنسان بطبيعته يخطئ، ويتعثر، ويضعف، ويتخذ قرارات قد لا تكون صائبة. المشكلة الحقيقية حين يصبح الخطأ مشروعًا يُدافع عنه، وحين يتحول الاعتراف بالخلل إلى معركة كرامة، وكأن التراجع هزيمة، وكأن التصحيح إهانة.
بعض الناس لا يبحثون عن النصيحة أصلًا، بل يبحثون عن جمهور. جمهور يربّت على أكتافهم، يبرّر قراراتهم، ويمنحهم شعورًا زائفًا بأنهم على حق، حتى وإن كانوا يسيرون بخطى ثابتة نحو الهاوية.
ما أقسى أن ترى إنسانًا لا يريد من يقول له: “انتبه”، بل يريد من يقول له: “أكمل، أنت رائع”، حتى لو كان ما يفعله خطأً واضحًا لا يحتاج إلى كثير بصيرة.
لقد أصبح الناصح في هذا الزمن مزعجًا، ثقيل الظل، متدخلًا في شؤون الآخرين، بينما المجامل يحظى بالقبول، والمصفّق يُحتفى به، ومن يزين الخطأ يصبح ألطف الناس وأخفهم حضورًا.
ولعل المؤلم أكثر أن البعض لا يغضب لأنك أخطأت في نصيحتك، بل يغضب لأنك أصبت الحقيقة في موضع يؤلمه.
فالحقيقة ليست دائمًا مرحّبًا بها، خصوصًا حين تهدم الصورة الجميلة التي بناها الإنسان عن نفسه، أو تكشف هشاشة القرار الذي كان يقاتل لأجله.
نعيش زمنًا صار فيه كثيرون لا يسألون: “ما الصحيح؟” بل يسألون: “من يؤيدني؟”
فرق شاسع بين من يبحث عن النجاة، ومن يبحث عن التصفيق.
الأول قد يتألم من النصيحة، لكنه يعيد التفكير، يراجع نفسه، وربما يشكرك لاحقًا. أما الآخر، فلا يريد إنقاذًا، بل يريد شرعية للاستمرار، حتى لو كان الثمن نفسه.
والمفارقة أن أخطر الناس على الإنسان ليسوا خصومه، بل أولئك الذين يبتسمون له وهو يخطئ، ويصفقون له وهو ينهار، ويهمسون في أذنه بأن كل شيء على ما يرام.
فليس كل من شجعك محبًا، وليس كل من خالفك عدوًا.
بعض القسوة رحمة، وبعض المجاملة هلاك.
والعاقل ليس من يحيط نفسه بمن يوافقه دائمًا، بل بمن يملك الشجاعة ليقول له: قف… فأنت تخطئ
وفي النهاية:
لا يُقاس وعي الإنسان بعدد من وافقوه، بل بعدد الحقائق التي امتلك شجاعة مواجهتها. فالتصفيق لا يصنع صوابًا، والجمهور لا يمنح الخطأ شرعية، والمجاملة ليست دائمًا لطفًا؛ أحيانًا تكون الطريقة الأكثر تهذيبًا لتركك تهوي وحدك. فاحذر من الأصوات التي ترفعك بالكلمات، بينما تتركك تسقط بالواقع.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية