الإبحار في عوالم الكتابة لدى الإنسان المُطْلَق الذي يتحمّلُ مسؤولية رأيه وفكره وفنه سلَّمٌ ينتقل به الكاتب من نقطة منتهى الآخرين والسابقين دون أن يضطرّ إلى تدوير رأيه لإرضاء الهيمنة التقليدية التي تريد لفنّ الكتابة والرأي الخضوع لانعطافاتها.. أما في العالم الثالث، فإنها واجبة تكرار ما قيل وما يرادُ بصحته وخطئه، وعلى الكاتب أو الفنان أن يتقبّل دورانه ضمن المعلوم، رغم أن الفنّ بكل أنواعه ليس سوى عملية خلق وإنْ كان الخلق مجرّدَ تجْلِيَة لموجود.
وللكتَبَةِ في عالمنا العربيّ تجاربُ ينبغي قيدها للتاريخ الذي بدأ ينهارُ باتّجاه الأمام، كما لهم مداخل وأساليب طريفة جداً يستخدمونها مطايا لإيصال ما يودون إيصاله، ولا تخلو من الطرافة في أحيانٍ كثيرة.
أنا واحد ممّن خاض بحار الكتابة بأنواعها شعراً ونثراً، وكان لي فيها مواقف أمام الرقابة الاجتماعية والرسمية والإعلامية، تارة أعاني، وأخرى أضحكُ كثيراً، وكثيراً ما يكون الضحك أكثر على الجهة الرسمية والاجتماعية، حتى خرجت بنتيجة نظريّة تتراوح بين علمي النفس والاجتماع، وتطبيق عمليّ لما يُطلقُ عليه (سلّم بلوم) في المستويات القرائية. أما ما يخصّ الأولى فهي: أنّ الذكاء الفردي مختلف تماماً عن الذكاء الاجتماعي، وأنّ العقلَ الجمْعِيّ يكادُ يكونُ غبياّ، وبمعنى آخر وأوضح: أنت ذكيّ على المستوى الفردي، غير أنك على المستوى الجمعيّ بطيء الاستيعاب والتطبيق والفهم، ومن الأدلة الاجتماعية على هذا: قضية تسهيل الزواج، فلن تسمع أحداً لا يؤيد ذلك إلى أقصى درجة، لكنّ استيعابَ هذا الأمر من الناس بطيء جداً، فترى من يدعو إلى التسهيل يدعو القبائل ويعتذر عن أنّ ما حشره لهم من الأنعام قليلة في قدرهم!
والثانية: أن (سلّم بلوم) لم يوضع عبثاً، فقلّما تجد من يستوعب مقالةً ذات بعدٍ فكريّ أو أدبيّ استيعاباً كاملاً كنصّ، بل يجتزئ منه جملة ويصبّ عليك جامَ غضبه من خلالها، ثمّ يتبعه المجتمع بواسطة الغباء الجمعيّ بتحرّكٍ بطيء حتى يصل ببطئه ذاك إلى الحكم المطلق عليك بأحكامه كشخص اعتباريّ أو مؤسسة، ومن أمثلة ذلكم ما رصده لنا تاريخ إحدى صحفنا المحلّيّة (الوطن) والتي رادتْ قفزة الإعلام الشهيرة بقيادة أسماء كبيرة تعي جيداً زمن تلكم الوثبة الجبارة التي أقنعتْ البلد بأنه في التاريخ وليس خارجه، ومن روادها الذين بذلوا وقتهم وأحرقوا زمنهم ليضيئوا: قينان الغامدي – عثمان الصيني – جمال خاشقجي، فما كان من العقل الجمعيّ (الغبيّ..) سوى أن استسلم إلى فئة لم ولن تستطيع بذكائها الجمعيّ أيضا سرعة استيعاب المتغيرات -أو أنها لا تريد لأسبابها- وأطلقوا عليها ألقابا نذكرها جميعاً (الوثن – العفن..)، وجاء الدكتور عثمان والأستاذ جمال لمواصلة موازاة المتغيرات، بما في ذلكم: الإيمان بكتّابنا الوطنيّين، وأنّ مفهوم العالمية لا يعني الاقتصار على كون الكاتب من خارج المكان، والعبرة بما يحمله ويمكنه لا بكونه من إحدى العواصم التي اعتاد بعضهم التسليم بوحدانيتها في مفهوم عالمية الفكر والفن.
وأنا هنا لا أهتم برصد مسيرة صحيفة، بل أودّ الوصول إلى قمتها التي كان على هرمها أخي الرائع أبو صلاح (خاشقجي)، باعتبار واحدة من قصصي الطريفة وقعتْ على يديه، وباعتبارها كانت مجرّدَ حجّةٍ لاستعادة الصحيفة نحو المألوف المرادِ لها، أو التّهدِئة من تسارع قفزاتها، وبطريقة مدروسة جيداً عبر سنوات ثلاث، حتى استطاعت هذه الخطّة إزالة التّهم والألقاب التي أطلقها عليها العقل الجمعيّ المدروس جيداً -دون أن يخضع للغباء هذه المرة- فلم نعدْ نسمع بأنها وثنٌ ولا عفن!
أقولُ هذا تبرئة لريادة أحد رواد الإعلام لدينا وبعقلية منفتحة، فالمقالة الشهيرة التي استُخْدِمَتْ لتنحيته عن رئاسة التحرير ليستْ سوى مقالة سردية أدبيّة انتهجتْ خيالاً أدبياّ منطلقاً من أمكنة وحوادث وقضايا اجتماعية مسكوت عنها ومعروفة في هذه الجزيرة وفي سواها من الأماكن التي كُتِبَتْ رؤى السردية عنها، ورغم أن الأمرَ لم يكنْ قضيّة تستحقّ ما يرادُ له أن يكون، فقد استخدمت المقالة السردية تلكم سبباً فيه، وعلى الرّغم من أنّ تاريخيّة وفكريّة أخي أبي صلاح لا تساوي بعده الإعلامي، فقد أبدى تأييده لمعارضة ما فهمه الآخرون من مضامينها، ويبقى الكل هنا ضمن العقل الاجتماعيّ الذي يجتزئ ولا يشملُ النّص.
ومن هذا المنبر الذي أتاح لي التعبير والبوح، والذي أخاف عليه من البحث عن ألقاب جديدة له، أزجي تحاياي وتقديري لأبي صلاح، وأؤكّدُ له بأن التاريخ سيثبتُ بأنّ تلكم السردية ليستْ سوى مقطوعة أدبية يُنْشَرُ اليوم ما هو أشدّ وضوحاً منها عن محيطنا وقضاياه الاجتماعية التي كانت دفينة عبر الأزمنة، وأنّ رأيه الشخصيّ الذي تحدّثَ فيه عن مفهومه للسلفية محترم لديّ غير أنه صار متاحاً للحديث عنه بكل شفافية وحرّيّة، وللكثير أن يدّعيَه.>
شاهد أيضاً
55555555555
666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666 666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666666
vidobet |
vidobet |
boostaro |
vidobet |
عسير صحيفة عسير الإلكترونية