لا نزوّج غائبًا



صدقًا حدث معي .. أن جاءني رجلٌ – أعطيته من العمر خمسين – ؛ فقال لي وأنا في طريقي لإحدى قاعات التدريس : ” أنت تُدرس المستوى السادس أو السابع – نسيتُ أيهما – قسم اللغة العربية ” ؛ قلت : ” نعم ” ، قال : ” أسألك عن الطالب فلان الفلاني ، منتظم في الحضور عندك ” ، فقلت له : ” أنت أبوه ” ؛ فقال : ” لا ” ، قلت له : ” عادةً مدرس المادة لا يُخبر بهذه الأمور إلا ولي أمر الطالب ” ؛ فقال : ” يا بني هذا الطالب تقدم لابنتي يرغب الاقتران بها ، وهو لم يحصل على شهادة تؤهله للعمل ، ولا أريد أن أقطع بنصيب البنت ، فقلت – والحديث له – إن كان منتظمًا على حضور المحاضرات في كليته ؛ فهو دليل عندي على أنه مهتم بدراسته ؛ وسوف يتخرج في الكلية ؛ ويحصل على الشهادة ، وسوف أقبله زوجًا لابنتي” ؛ فلما قال ذلك فتحت كشف الحضور ، ومن نعم الله على الطالب أنه كان من المنتظمين في الحضور ، فقلت له : “زوجوه ، إن كان ما يمنعكم عن قبوله إلا هذا ، فهو من المنتظمين على الحضور ، وليس عنده أي غياب يجعلك حتى تفكر في رده ” ، فانصرف وهو يحمد الله .

أكرر هذه القصةَ دائمًا بداية الفصل الدراسي على أبنائي الطلاب ؛ حثًّا لهم في حضور المحاضرات ، وتنبيهًا من مساوئ الغياب العظام ، وأن من أكبر بوائقه حرمانك – ربما – الاقتران بمن تحب ، فتصاب بالعطب ، من شدة الهم والتعب . ومن الطرائف أن لحق بي بعد المحاضرة طالبٌ لمّا حكيت هذه القصة قبل سنة واحدة في كلية الشريعة وأصول الدين ؛ فقال لي : ” يا دكتور أسألك بالله المسؤول عنه هـو أنا ” ، فقلت : ” القصة حدثت معي قبل أن تلتحق أنت بالثانوية ” ؛ فقال : ” الحمد الله ؛ لأني قبل أسبوع تقدمت لفتاة ، ولم يردوا عليَّ حتى الآن ” .

صراحةً يزعج التربويون المخلصون – فقط – مؤاخاة طلابنا للغياب ، غير آبهين ولا مدركين ما فيه من التأخر والحرمان .

وهذه الظاهرة أزلية بين طلاب الجامعات ، وما نفعت في القضاء عليها التعاميم والتوجيهات .

ولو بقيت هذه الظاهرة مقصورة على الطلبة الجامعيين ؛ لكانت معضلة محصورة في فئة من المتعلمين ، ولكن أورث طلابُنا الجامعيون هذه الظاهرة ، طلابَ التعليم الأولي ، فهم معهم الأسبوع الأول من الدراسة غائبون ، والأخير مثله وربما بأسبوعين ، وقبل الاستراحة الأسبوعية للفصل الدراسي الثاني أضحى جلُ الطلاب والطالبات في جميع مراحل التعليم غائبين بأسبوع ، وبعدها وحتى الآن الحاضرون يُعدون على الأصابع في بعض القاعات والفصول .

ولا بد من وقفة صارمة من قبل المهتمين وأهل الشأن للقضاء على هذا الوباء ، الذي تجرع من كأسه حتى الطلاب النجباء ، ومن حسنات جامعة الإمام محمد بن سعود قديمًا أن الغياب الجماعي ؛ تُحسب فيه غياب المحاضرة بمحاضرتين ، وطُبق فعلاً على الطلاب ؛ فارتعد وارتدع كثير من الطلاب وقتها عن الغياب الجماعي ؛ لأنه قد يدخلهم في دائرة المحرومين من دخول الاختبارات في المقرر الذي غابوا فيه .

وحقيقة – اتفق معي أبناء هذا الحقل أم اختلفوا – نحن مدرسو الطلاب شركاء في هذا الإثم التعليمي ، فكم يفرح أحدُنا إذا دخل القاعة أو الفصل فما وجد فيها أحدًا ، أو وجد العدد قليلاً فيعتذر عن إلقاء الدرس بحجة أن أغلب الطلاب غائبون ، ولو أنه عرف قدر الأمانة ، وشعر بعظيم المسؤولية ؛ لشرح الدرس ، وعرض المنهج ، ولو لم يكن في القاعة إلا واحدًا ، تبرؤ بذلك ذمته ، ويحلّل فيها راتبه ، ويبني في الحاضر من الطلاب صرحًا من التقدير له ، والإعجاب به ولو بعد حين ، ويحمد الطالبُ اللهَ بين أقرانه الغائبين أن حضوره ما كان هباءً ، وجلوسه في المدرسة ما جاء عبثًا .

وليتنا نقف عند هذا الحد في عدم شرح الدرس ، وعرض المنهج ، بل كثير منّا يلمح للطلاب بعدم الحضور ، ويفتح بالتعريض – المكشوف لهم – شهيتهم للغياب ، هربًا من التكليف ، وعجزًا عن التحضير .

وأكثر منه جرمًا ، وأشنع فعلاً ، من يصرح بذلك ، و يدعوهم إليه ، ومما بقي في ذاكرتي وما نسيته أبدًا أيام الدراسة الجامعية أن أكاديميًّا قال لي ومع ثلة من الطلاب الحاضرين بكل براءة في آخر السنة لمقرره العلمي ، وقبل الاختبارات بأسبوعين غاضبًا : ( لماذا تحضرون ؟ المفترض أني أغيبكم أنتم ، وأحضّر الطلاب الغائبين ) ، فخفنا على أنفسنا ، وحلفنا أن نجعل الغائبين أسوة حسنة لنا، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .

في صحيفة عكاظ التربية والتعليم تقول : ( خاطبنا التعليم العالي لتحسين مخرجاته ) .

والعاملون بالتعليم العالي من الأكاديميين والإداريين يشتكون من الطلاب القادمين إليهم من مدارس التربية والتعليم ؛ بأنهم لا يفرّقون بين كثير من العلوم النظرية والتطبيقية ، وليس لديهم رغبة التعليم ، ونشوة التحصيل .

ولو أننا كلنا خلعنا عن أنفسنا جلباب العصمة ، وقذف الخطأ على الغير ، وأخلصنا في تعليمهم ، وصدقنا في نصحهم بأفعالنا قبل أقوالنا ؛ لَنصلح الحال ، وأسعدنا المآل .

وأخيرًا – قارئي الكريم – لا بد أن نؤمن جميعًا بأننا نلعب دورًا كبيرًا في تكوين طلابنًا علميًّا وأخلاقيًّا ، وأنه في يوم من الأيام سيعرف من هو السبب في تكوينه ، ومبرمج سلوكه ونفسيته ، وحتمًا – وقتها – إذا قرأ سيرته الذاتية كبيرًا سيدعو لقوم من المعلمين المخلصين ، ويلعن قومًا آخرين .

للتواصل : ahalaseeri@kku.edu.sa
>

شاهد أيضاً

سكر الأجاويد في نهار رمضان

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com