أموالنا وأحوالنا

يُعجِبني في بعض إخوانِنا الوافدين ثقافتُهم الاقتصادية، التي جاءت من نظرتهم للحياة وظروفهم الاقتصادية الصعبة التي عاشوها في بلدانهم.

جَارِي في الحيِّ رجلٌ كبير السِّن من السودان، لديه سيارة نوع “ماركتو” موديل “٧٥”، لا تزال بحالة جيدة، وأراه يحافظُ عليها محافظة كبيرة؛ فهو لا يحرِّكها إلا نادرًا، ومعظم حاجاته يقضيها مشيًا، ولا يستخدم سيارته النادرة في قضائها مفضِّلاً إبقاءها للمصالح البعيدة، فهو يعجبني بمحافظته، وإدراكه لقيمة الشيء.. وقبل مدة قامت شركة هوندا للسيارات بتكريم أمريكي استطاع أن يحافظ على سيارته (الأكورد) لمدة واحد وعشرين عامًا، قطع بها أكثر من مليون وخمسمائة ألف كم، بأن أهدته سيارة (أكورد) حديثة!!

كثيرٌ منا – إن لم نكن كلنا – لا نعرف هذه الثقافة، ولا نكترثُ لها.. نحضر إلى المسجد بسياراتنا حارمين أنفسَنا أجر الخطى، وفائدة المشي! ونرى سيارات حديثة يقودُها مراهقون قيادةً سيئة، بل ربما مارسوا بها “التفحيط، والتفجير، والتطعيس”، وغيرها مما يتفنَّن فيه شبابنا من جحود للنعمة، وتنكُّر للقيمة!!

وهذه الثقافة كانت حاضرةً في بلادنا فيما مضى، لكنها – ومع تغير الحياة السريع – تغيَّرت، بل وتلاشت.. كان الناس فيما مضى يحافظون على أشيائهم، ولكن مع زيادة الدخل المادي، ووجود الشركات التجارية، والمصارف الربحية التي أثقلت كواهل المواطنين بعروضها وتقسيطاتها، صار الناس باحثين عن كل جديد من شأنه مواكبة العصر بمظاهره التي صارت عند كثير منهم هي الغاية.

تنازل الناسُ عن كثير من قناعاتهم في سبيل إرضاء الزوجة، أو الابن، والبنت.. في المأكل، والملبس، والمسكن، والمركب.

لاحِظوا انتشار الصناديق الخاصة بجمع الملابس للأيتام والمُحتَاجِين التي ملأت أحياءنا، فهي لم تنتشر بهذا العدد وبهذا الحجم، إلا لمعرفة القائمين عليها حجم ما يُلقَى فيها من كميات كبيرة من الملابس الصالحة للبس!

هالني منظرُ تلك الشاحنة التي مُلِئت بأكياس الملابس من تلك الصناديق، وأنا أراها ذات مرة وقد حُمِّلت حتى صار فوق صندوقها من الحِمل ما يفوق حجم الصندوق.

اقرؤوا إعلانات البيع في بعض الصحف الخاصة بالترويج للسلع، أو في مواقع الإنترنت.. فتاة تشتري فستانًا بثلاثة آلاف، ثم تعرضه للبيع بثُلُث قيمته؛ لأنها لن تلبسه مرة أخرى بعد أن رأينه عليها، وفي حال عدم البيع، فهناك حيلة التأجير بحثًا عن المال المهدر مسبقًا، وإلا فإن مصيره إلى تلك الصناديق؛ طلبًا للأجر والثواب!

نحن بحاجة إلى أن نُدرِك تمام الإدراك ما نحن فيه من نِعَم تستحقُّ الحمد لله، والشكر له، ثم الوقفة الصادقة من أجل إعادة ترتيب أوراق حياتنا، وكثير من عاداتنا التي تُدَار بالمظاهر، والالتفات لحديث الناس، وأن نُقدِّم الأولويات، ونبتعد عن الإسراف والمخيلة!

ليتَ كثيرًا مما نصرفه من مال نُعِيد النظر في وجوه صرفه، فنكفل يتيمًا، أو نُحسِن إلى أرملة، أو نوظِّفه في أعمال الخير والبِر؛ فنِعْم المال الصالح للرجل الصالح!

مثل هذه الثقافة لن تأتي من مقال يُكتَب؛ بل هي تحتاج لكثيرٍ من المقالات، والبرامج، والمحاضرات، والخُطَب، وقبل كل هذا وَعْي الناس الآتي من فَهم الدِّين الفَهم الصحيح.

فالمسلم متى ما أدرك أنه مسؤول عن مصادر كسب المال، وقنوات صرفه، استطاع أن ينتفع بهذا المال الانتفاع الأمثل.

فلنحافظ على ما ملَّكنا الله من نِعَمٍ حُرِم منها كثيرون، فلا ننشغل بالمظاهر وحُبِّ التقليد، ولا نسعى إلى التغيير المستمر، وأن نستثمر هذه المملوكات الاستثمار الصحيح؛ علَّنا نؤثر فيمن سيأتي بعدنا.

>

شاهد أيضاً

3 مواجهات غداً في انطلاق منافسات الجولة 28 من الدوري السعودي للمحترفين

صحيفة عسير ــ الرياض تنطلق غدًا الخميس منافسات الجولة 28 من الدوري السعودي للمحترفين “دوري …

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com