wpid-img-20150627-wa0034.jpg

شاهد أيضاً

وطني الحبيب.. وطن القلوب

اللواء الركن م. الدكتور بندر بن عبد الله بن تركي آل سعود  يقول الأصمعي في حب الأوطان: (إذا أردت أن تعرف الوفاء، فانظر إلى حنين الإنسان إلى أوطانه). وقيل إن أشهر بيت شعر تناقلته العرب في حب الوطن والحنين إليه، وهذا الارتباط الوجداني الوثيق بمسقط الرأس ومراتع الصبا، الذي تجاوز حدَّ العشق ليبلغ الهيام، ويحسه الإنسان، غير أنه يعجز عن التعبير عنه مهما كان حظّه من الفصاحة والبلاغة والبيان، ذلكم هو ما أنشده أبو تمام من قديمٍ:  كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى  وحنينه أبداً لأول منزل  وفي تشبيه بديع رائع بليغ، يصوِّر الشاعر العباسي ابن الرومي، الوطن في قصيدته الشهيرة في الحنين إلى الوطن والدِّيار التي يقول في مطلعها: (ولي وطن آليت ألا أبيعه)، في شكل جسد يحتضن الروح:  فقد ألفته النَّفْسُ حتى كأنه  لها جسد إن بان غودرت هالكا  وحبَّب أوطان الرجال إليهمو  مآرب قضاها الشباب هنالكا  بل أبلغ من هذا كله وأصدق قيلاً، ما جاء في الآية الكريمة (66) من سورة النساء، إذ يقول الحق عزَّ و جلَّ: (و لو أَنَّا كتبنا عليهم أَنِ اقتلوا أنفسكم أَوِ اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم).. يقول المفسرون: في هذا دلالة على شدَّة وقع فراق الوطن وصعوبته على النَّفْس، حتى قرنه الله سبحانه وتعالى بالخروج عن الحياة؛ ومن أصدق من الله قيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً؟!.  وبالطبع، هذا كله عن الوطن من حيث هو بشكل عام، فيا ترى كيف يكون الحال إن كان هذا الوطن عزيزاً غالياً ليس مثله في الدنيا وطن، حبيباً.. وطناً للقلوب؟! فقطعاً كلنا نحفظ ما جاء في الآية الكريمة (37) من سورة إبراهيم عليه السلام، التي دعا فيها أبو الأنبياء رَبَّه سبحانه وتعالى، أن يحشد قلوب الناس بحب ذريته والحنين إلى موطنهم: (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم). ويستجيب الله المنعم الوهَّاب الدعاء، وها هم اليوم ما بين مليارين ونصف المليار من المسلمين حيثما كانوا، من أدنى الأرض إلى أقصاها، يكاد قلبهم يخرج من صدرهم، وتتمزق روحهم شوقاً إلى الدِّيار المقدسة في هذه البلاد الطيبة الطاهرة المباركة بمكة المكرمة والمدينة المنورة، وكم تهفو تلك الأرواح، وتتوق تلك القلوب، وتشرئب تلك الأعناق، للطواف بالبيت العتيق، والصلاة خلف المقام، والسعي بين الصفا والمروة، والتَّضلع من زمزم، والصلاة في مسجد الخيف، والمبيت بمنىً، والصلاة في مسجد نمرة، والوقوف بعرفة، والابتهال إلى الله العلي القدير الكريم عند المشعر الحرام، ورمي الجمرات، وزيارة المسجد النَّبوي الشَّريف والصلاة فيه، والسلام على خير الأنام، عليه أتم الصلاة وأزكي السلام.. حتى إذا حانت ساعة الوداع، هَفَت القلوب، واشتد البكاء والنحيب، فغادر الحجاج والمعتمرون والزوَّار والسيّاح، الدِّيار المقدسة بأجسادهم، تاركين قلوبهم خلفهم هاهنا في وطن القلوب، تحوم حول المكان.  أجل، وطننا العزيز الغالي هذا، الذي ليس مثله في الدنيا وطن، هو وطن القلوب بامتياز، الذي لا تنفك قلوب المسلمين وكثيرون حتى من غيرهم، ممن عملوا فيه وعاشوا بين ظهراني أهله، واستمتعوا بخيراته الغزيرة وأمنه الوارف، وطيب معشر مواطنيه، ثم اضطرتهم ظروفهم لمغادرته، لا تنفك قلوب هؤلاء وأولئك كلهم تهفو إليه حائمة حوله، متطلعة دوماً للعودة إليه كلما غادرته.  أجل، إن وطننا هذا هو وطن القلوب بامتياز، الذي وحَّد مؤسسه الملك عبد العزيز آل سعود، قلوب أبنائه على قلب رجل واحد، قبل أن يلم شعثه ويوحِّد جغرافيته، كما يؤكد دوماً خادم الحرمين الشَّريفين، سيِّدي الوالد المكرَّم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، قائد قافلة خيرنا القاصدة اليوم إلى الأبد إن شاء الله، مدوَّنة تاريخنا العريق، ومستودع إرثنا الحضاري والثقافي، ومن أعرف منَّا اليوم بهذا الإرث العظيم غير مقامه السَّامي الكريم؟!.  أجل، إنه وطن القلوب الذي كان أول قرار فيه يتخذه مؤسسه الملك عبد العزيز آل سعود، أن جعل دستوره: كتاب الله عزَّ و جلَّ وسُنَّة رسوله الكريم عليه أتم الصلاة وأزكى التسليم. ويقتفي الأبناء البررة أثر الوالد المؤسس، فتؤكد المادة السابعة من نظامه الأساسي للحكم اليوم: (يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سُلْطته من كتاب الله تعالى، وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة)، ليس هذا فحسب، بل إن الأمر سيستمر كذلك إلى الأبد إن شاء الله، لن نحيد عنه قيد أنملة، كما يؤكد قائدنا اليوم المليك المفدى سلمان، شبيه المؤسس خَلْقاً وخُلْقاً، وعزماً وحزماً وحسماً. وتحضرني هنا مقولة مباشرة رائعة حاسمة قاطعة، لأخي العزيز الغالي، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، رئيس مجلس الوزراء، ولي العهد القوي بالله الأمين، في حديث له، مؤكداً استمرار دولة الرسالة على النهج نفسه الذي أرساه المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود منذ قرن و ربع القرن، عند بزوغ أول فجر إثر استعادته الرياض في الخامس من شوال 1319، الموافق للخامس عشر من يناير 1902، في ملحمة الرياض الشهيرة، التي صَوَّرها بولس سلامة في رائعته (ملحمة عيد الرياض)، إذ يؤكد سموه الكريم: (دستورنا القرآن.. كان.. والآن.. وسيظل إلى الأبد إن شاء الله).  وفي أول قصيدة له في مدح الملك عبد العزيز، أنشدها أمامه في السابع عشر من صفر 1345، الموافق لليوم السابع والعشرين من أغسطس 1926، جسَّد الشاعر المبدع أحمد بن إبراهيم الغزاوي، (شاعر الملك عبد العزيز) هذا المفهوم مخاطباً المؤسس:  …

اترك تعليقاً