
للكاتب: لاحق بن عبدالله/الشبارقة
عندما كنت طفلاً صغيراً استمتع بممارسة لعب كرة القدم البدائية مع مجموعة من أولاد القرية ، حيث البساطة سيدة المكان.
كانت العادات والقيم والمبادئ بمثابة القانون غير المكتوب الذي ينظم حياتنا.
لم تكن التربية يومها حكرًا على الوالدين فقط ، بل كان المجتمع كله شريكًا فيها ، الإمام في مسجده،
المؤذن بصوته وخُطبه وحرصه، مدير المدرسة،
كبار السن، والجيران أيضاً.
كلٌّ كان يرى أبناء القرية كأنهم أبناؤه.
من بين أولئك كان جارنا المؤذن ، رجلٌ وقورٌ مهاب ، صاحب كلمة مسموعة وشخصيةٌ معتبرة تُحْتَرَم .
كان شديد الحرص على صلاتنا نحن الصغار.
يعرف أن لهو الطفولة قد يسرقنا عند الأذان، خاصة وقت المغرب حين يكون اللعب والتحدي في ذروته.
وما إن يحين وقت الصلاة ونحن منهمكون باللعب،
حتى يقترب بخطوات ثابتة يحمل سكينًا صغيرة،لا ليؤذينا “حاشا ” بل ليفرغ الكرة من هوائها.
كان يريد أن يوقف لعبنا، ليذكرنا أن للصلاة وقتًا لا يؤجل.
في طفولتنا كنا نرى ذلك قسوة ً، ونحسبه غضبًا أو انتقامًا، خصوصًا أن الحصول على كرة بديلة أو ثمنها
لم يكن أمرًا سهلًا ولا ميسورًا حينها.
لكننا حين كبرنا أدركنا الحقيقة لقد كان يريد لنا الخير،
كان يريد أن يعلمنا أن علاقتنا بالله، وصلاتنا، هي الأولوية التي تسبق كل متعة دنيوية.
لم يكن جارنا المؤذن وحده من ترك بصمة في قلوبنا.
فقد كان الإمام في خطبه، والمعلم في صبره، والجدة في حكمتها، معلمين حقيقيين بأفعالهم قبل أقوالهم.
تعلّمنا منهم أن الكلمة الصادقة، والابتسامة الحانية،
والسلوك المستقيم، يمكن أن تغرس في النفس بذور الخير، لتنمو وتثمر عبر الزمن.
اليوم، ونحن نمضي في حياتنا، نحمل في وجداننا بعضًا من تلك الدروس.
لقد علمونا أن التربية الصالحة لا تنتهي عند حدود البيت وأن كل فرد قادر أن يكون قدوةً بكلمةٍ طيبة، بتصرف مسؤول، وبحرص على الخير.
القدوة الحسنة ليست ترفًا، بل هي ركيزة المجتمع القوي هي ما يجعل أجيالنا القادمة تنمو على حب الله أولًا ثم حب الإنسان، قبل حب الدنيا ومتاعها الزائل.
إن بعض الذكريات لا يطويها الزمن ، تبقى عصيةً على النسيان تسرقنا من حاضرنا، وتأخذنا إلى لحظاتٍ شعرنا فيها أننا أسعد الناس.
وما أجمل أن نحمل تلك الصفحات في قلوبنا، لتبقى زادًا يذكّرنا بأن الخير والقدوة الصالحة هي أعظم
ما يخلّده الإنسان في دنياه
عسير صحيفة عسير الإلكترونية