
بقلم د/ جملاء الغامدي
نمرّ في هذه الحياة كما تمرّ السحب في سماء بعيدة؛ بعضنا يمرّ خفيفًا، وبعضنا يترك ظلًا، وقلة فقط تترك مطرًا لا يُنسى. وفي زحام الأيام، وبين تفاصيل البيوت، وأروقة الأعمال، ومساحات العلاقات، ننسى سؤالًا عميقًا يستحق أن يُطرح مرارًا:
ماذا تركت؟
نقوم بأعمال كثيرة، ونلتقي بأشخاص كُثر، نضحك، نختلف، ننجح، ونخفق، لكن الأهم من كل ذلك ليس عدد ما فعلناه، بل أثر ما فعلناه. هل تركنا خلفنا أثرًا جميلًا؟ أم مررنا وتركنا وجعًا لا يُقال؟
احذر أن ترحل وتترك أثرًا يوجع،
احذر أن تكون ذكرى ثقيلة على قلب أحد،
احذر أن يكون اسمك إذا ذُكر اقترن بالألم أو القسوة أو الكسر.
فما أسهل أن نجرح، وما أصعب أن نُداوي.
العجيب حقًا أولئك الذين إذا بلغوا منصبًا، أو أُعطوا سلطة، ظنّوا أن الشدّة هي الطريق، وأن القسوة دليل القيادة، وأن التسلّط يصنع الهيبة. نسوا – أو تناسوا – أن المناصب إلى زوال، وأن الكراسي لا تبقى، وأن الألقاب تسقط سريعًا، بينما تبقى المشاعر شاهدة، والذكريات حيّة لا تموت.
يبقى الوجه الذي لم يكن بشوشًا،
والكلمة التي لم تكن رحيمة،
والعمل الذي لم يكن فيه يسر ولا إنسانية.
وعندما يُذكر الاسم بعد الرحيل، لا يُقال إلا:
الحمد لله الذي انتهت مرحلته، الحمد لله الذي ابتعد عنا.
كم هو مؤلم أن يكون هذا هو الأثر.
وفي المقابل، ما أجمل أولئك الذين مرّوا بلطف، وتولّوا المسؤولية بإنسانية، وأدّوا أعمالهم بقلب قبل النظام. تركوا أثرًا يشبههم؛ هادئًا، جميلًا، دافئًا.
إذا ذُكر اسمهم، قيل:
ذكره الله بالخير… كان إنسانًا راقيًا، وكان حضوره فرقًا.
الأثر ليس منصبًا، ولا صوتًا عاليًا، ولا سلطة،
الأثر كلمة صادقة، وابتسامة في وقتها، وعدل عند القدرة، ورحمة عند الاختلاف.
فاحذر…
احذر أن ترحل بلا أثر،
واجعل رحيلك – متى كان – شاهدًا لك لا عليك،
ودع خطواتك تترك خلفها جمالًا يُذكر، لا وجعًا يُنسى
عسير صحيفة عسير الإلكترونية