
بقلم : سلافة سمباوه
لم يكن الصيام يوماً مجرد انقطاع مؤقت عن الطعام والشراب، بل هو في جوهره “فلسفة صمت” عميقة؛ صمتٌ يخرس ضجيج الشهوات ليتيح للروح أن تتحدث. نحن اليوم بحاجة ماسة لفهم هذا الصمت كفعل تحرر وتنزّه عما يشوب النفس قبل أن تصطدم الجوارح بشهوة الطلب. إن الإمساك الحقيقي لا يتوقف عند الكلام، بل يمتد ليطول صراعنا المحموم على “الأشياء” والمظاهر التي استهلكت أعمارنا ومعانينا.
رمضان هو “الهجرة الداخلة” نحو معرفة الذات وترويضها، لكننا –للأسف– حولناه إلى “هجرة خارجية” نحو الأسواق والموائد. إن فلسفة الصيام تتجلى في الكف عن اللغط والثرثرة وهوس الاستهلاك؛ فما قيمة أن نجوع نهاراً لننغمس ليلاً في بذخٍ يقتل حكمة الجوع؟ من لم يترك قول الزور والعمل به، ومن لم يترك التباهي والتعالي، فليس لله حاجة في عطشه.
لقد استحوذت علينا عادات غريبة شوهت النسق الحضاري لهذا الشهر؛ فتحولت الليالي إلى سباق محموم نحو “الفطور الجماعي” الذي يطغى عليه التفاخر، وموائد تعج بصنوف الطعام التي يتجاوز بذخها حدود الحاجة، في وقت يئن فيه الفقير بصمت. إننا نغرق في هوس المادية ونبتعد عن الجوهر؛ فرمضان جاء ليصيغ قيم العدالة والكرامة والتضامن، لا ليكون موسماً لاستعراض “البرستيج” الاجتماعي.
هذا الارتماء في حضن الاستهلاك يغتال جمالية اللحظة الروحية، ويعيقنا عن فهم سؤال التغيير. هل رمضان فرصة لفتح صراعات اجتماعية وإثبات الوجاهة من خلال العزائم المبالغ فيها؟ أم هو رحلة لاستعادة التوازن المفقود؟ إننا نفشل عندما نكون أقوياء أمام المظاهر وضعفاء أمام ذواتنا، غير قادرين على الهجرة نحو عالم لا تحكمه الوصاية أو الاستغلال المادي.
علينا أن ندرك أن “الجمعات” والمظاهر ملحوقٌ عليها في سائر العام، أما رمضان فهو “أيام معدودات” لا تقبل التبديد في الإسراف. هو الفرصة الذهبية للإجابة عن سؤال: من نحن بعيداً عن ممتلكاتنا؟ التغيير يبدأ عندما نتحرر من سلاسل العبودية التي تتوارى خلف هوس الاستهلاك، لنعود إلى الغرض الأسمى: الإحسان للفقراء، والتقرب من الخالق، وترميم الانكسارات الداخلية.
إن رمضان ليس “صنماً” للطقوس الموسمية التي تزول بأفول الشهر، بل هو باب نحو ملجئنا الأخير؛ حيث تروي أنهار الحرية والكرامة من قست عليهم الحياة. فلنجعل من إفطارنا صلاة شكر، لا استعراضاً للبذخ، ولنجعل من صيامنا رحلة خلاص، لا طقساً استهلاكياً يمر مرور الكرام. البداية والنهاية في دواخلنا، ورمضان هو الامتحان الأكبر لتجريد هذه الذات من زيفها.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية