
بقلم/ علي سعد الفصيلي
في زحام الحياة وتسارع إيقاعها، تتراجع بعض التفاصيل التي كانت يوماً ما جوهر العلاقات وأساس تماسكها، غير أن مواسم الأعياد تظل محطة استثنائية تعيد ترتيب الأولويات وتوقظ في النفوس أجمل المعاني، وفي مقدمتها اجتماع الأبناء حول والديهم، ذلك المشهد الذي لا يُقاس بقيمته المادية بقدر ما يُقاس بما يزرعه في القلوب من سكينة ورضا.
إن حضور الأبناء مجتمعين في بيت والديهم، أو لدى أحدهما، يحمل رسالة أعمق من مجرد زيارة عابرة، فهو تجديد لعهد البر، وترميم لجسور الود، وإحياء لذاكرة مليئة بالتضحيات التي قدّمها الوالدان في سبيل نشأة هذا الجمع، حين يلتف الأبناء، كباراً وصغاراً، تتبدد مشاعر الوحدة لدى الوالدين، ويحل محلها شعور بالطمأنينة بأن الغرس الذي تعهداه قد أثمر تلاحماً ومحبة.
وللهدايا، مهما كانت رمزية أو مادية، أثر لا يُستهان به في هذا السياق، فهي ليست مجرد أشياء تُقدّم، بل رسائل تقدير وامتنان، تقول للوالدين بلغة صامتة: “ما زلتم في القلب، وما زالت مكانتكم محفوظة”، وهي في حقيقتها تعبير صادق عن الوفاء، يعيد للوالدين شيئاً من جميل ما قدّماه دون انتظار مقابل.
ومن زاوية أخرى، فإن هذا الاجتماع لا يخدم الوالدين فحسب، بل يمتد أثره إلى الأبناء أنفسهم، حيث يعزز بينهم الألفة ويقوي روابط الأخوة، ويجدد الإحساس بالانتماء إلى أسرة واحدة، حتى وإن تفرقت بهم المساكن وانشغلوا بظروفهم الخاصة مع أسرهم الصغيرة، فلقاءات الأعياد تعيد ضبط البوصلة نحو الأصل، وتؤكد أن العائلة الكبرى تظل هي المظلة التي تجمع الجميع.
ولا يعني ذلك أن تقتصر صلة الوالدين على مواسم الأعياد، فالبر لا يرتبط بزمان ولا مناسبة، غير أن العيد يمنح هذه الزيارات طابعاً خاصاً، ويضفي عليها بعداً احتفالياً يجعلها أكثر حضوراً في الذاكرة وأشد أثراً في النفوس، فهو لحظة مكثفة للمشاعر، تتضاعف فيها قيمة اللقاء، ويتجلى فيها المعنى الحقيقي للترابط الأسري.
إننا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى إحياء هذه العادة الجميلة، لا بوصفها تقليداً اجتماعياً فحسب، بل باعتبارها ضرورة إنسانية تعيد التوازن للعلاقات الأسرية، وتمنح الوالدين ما يستحقانه من اهتمام وتقدير، فبرّهما ليس واجباً مؤقتاً، بل روح حياة، وكل لقاء صادق معهما هو استثمار في دعائهما، وامتداد لبركة لا تنقطع.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية