وجوهٌ ممتلئة… وقلوبٌ خاوية

بقلم / سلافه سمباوه

لستُ أدّعي مرتبة لا أستحقّها، ولا أزعمُ بلوغي من الإدراك العميق مبلغا أنا دونه في الحقيقة.
غير أني في أحيان كثيرة أعجبُ من مدى سطحية بعض من توسّمتُ فيهم حكمة وبُعداً في النظر، لا لأخطائهم وضعفهم البشري، فكلّنا خطّاء، وإنما لغياب أبسط ما يُفترض توفره في إنسان خبر الحياة.

تراك أمام شخصية ناضجة، ميسورة، متخمة بالتجارب والفرص، ثم تفاجئك بسلوكٍ ضيقٍ لا يليق بطفل. تغضب لأمرٍ تافه، تشتدّ على شيءٍ مادي لا قيمة له، تصرخ، تجادل، وتتوتر كأن العالم سُلب منها. لحظة واحدة تكشف لك هشاشةً كانت مخفية خلف مظهرٍ أنيق وكلامٍ منمّق.

هنا لا يكون المشهد مجرد موقف عابر، بل نافذة على الداخل. ترى الجشع، أو الأنانية، أو القلق المزمن، وقد استقرّت في النفس حتى صارت طبعاً. فتسأل: ما الذي ينقص هذا الإنسان؟ كيف تجتمع الوفرة مع هذا الفقر الداخلي؟

نحن نفهم حرص الفقير؛ فالحاجة تبرّر بعض القسوة، والحرمان يفسّر التعلّق. لكن الغريب أن ترى ذات الحرص فيمن أغناه الله، وكأن الخوف لم يغادره يوماً. يلهث خلف تفاصيل صغيرة، كأنها طوق نجاته الأخير، ويُفزع إن اختلّ ميزان بسيط لا يؤثر في حياته شيئاً.

المشكلة ليست في المال، بل في علاقته بالنفس. من لم يتعلّم الاكتفاء، لن يُشبعه شيء. ومن لم يُهذّب خوفه، سيظلّ أسيرًا له مهما تبدّلت الظروف. الثراء الحقيقي ليس ما نملكه، بل ما نستغني عنه دون قلق.

بعض الناس بارعون في صناعة الواجهة: أناقة، حضور، فصاحة، قدرة على الإقناع. فتظن أنك أمام عمقٍ إنساني نادر، حتى تأتي لحظة الحقيقة. حينها تسقط الزينة، ويظهر الفراغ. لا حكمة، لا سكينة، فقط قشرة لامعة تخفي اضطراباً داخلياً.

ومع الوقت، يتحول هذا النمط إلى أسلوب حياة: إشباع مستمر بلا اكتفاء، سعي بلا راحة، رغبة في السيطرة تعوّض نقصاً لا يُقال. يُستخدم النفوذ لإخضاع من حوله، لا لأنه أقوى، بل لأنه أضعف مما يبدو. فالنفس الطماعة، في جوهرها، نفس جائعة لا تعرف الشبع.

وهنا تتقاطع الأدوار: مبتلى في ذاته، ومبتلٍ لغيره. وكل من يقترب، يدخل دائرة الاختبار. إما أن ينجرف في الفوضى، أو ينتبه لنفسه وينجو.

النجاح في هذا السياق ليس انتصاراً على الآخر، بل على الذات. أن ترى الحقيقة كما هي، دون انبهار بالشكل أو انخداع بالبريق. أن تحافظ على اتزانك أمام فوضى الآخرين، وألا تسمح لنقصهم أن يسرق سلامك.

النجاح أن تعرف متى تبتعد، ومتى لا تفسّر كل شيء، ومتى تترك الإنسان يواجه ذاته دون أن تتحمّل عنه عبء ذلك. فليست كل المعارك لك، ولا كل النفوس قابلة للإصلاح.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: من ينجح؟
ذلك الذي لا يبيع هدوءه مقابل وهم، ولا يساوم إنسانيته تحت ضغط اللحظة، ويعرف أن أعظم النجاة… أن لا يصبح نسخةً منن اذاه

شاهد أيضاً

تحالف مكة. . ولادة قوة إسلامية تصنع الردع وتحمي السلام:

رؤية استراتيجية في القوة السعودية والتحالف الدفاعي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان رؤية في الأمن الإقليمي والردع المشترك

لم تكن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» مجرد توقيع بروتوكولي بين ثلاث دول، ولا صورة سياسية …