بدون فلتر ( هذا عويس وهذي خلاقينه )

✍️فرحان الدوسري

في الوسط الرياضي ، لا أحد يختلف على حق المشجع في الانحياز لفريقه. فالتشجيع قائم في أساسه على العاطفة، والانتصار والانكسار جزء من علاقة المشجع بناديه. لكن المشكلة تبدأ عندما يرتدي المشجع عباءة الإعلام، ويتحول الانحياز من رأي شخصي إلى خطاب يُقدَّم للجمهور على أنه تحليل مهني وطرح موضوعي.

ومن هنا جاءت العبارة الشعبية الشهيرة: «هذا عويس… وهذه خلاقينه»، وهي عبارة تختصر الكثير من المشاهد التي نراها في بعض الطروحات الإعلامية الرياضية، حيث يصبح الموقف معروفًا قبل أن تبدأ القضية، والرأي متوقعًا قبل ظهور التفاصيل، لأن المعيار لا يتغير مهما تغيرت الوقائع.

فعندما يخسر فريق معين، تتحول الأخطاء التحكيمية إلى قضية رأي عام، وتُفتح الملفات وتُثار الشكوك وتُطالب الجماهير بالحكام الأجانب. لكن عندما يستفيد الفريق المفضل من الأخطاء ذاتها، تصبح الأخطاء جزءًا من كرة القدم، ويُطلب من الجميع تقبلها باعتبارها حالات تقديرية تحدث في كل الملاعب.

وعندما يُطرح ملف اللعب المالي النظيف، نجد من يرفعه شعارًا للعدالة والشفافية إذا كان يضر المنافس، لكنه يختفي تمامًا عندما يقترب من ناديه المفضل. وكأن العدالة الرياضية أصبحت موسمية، تُستخدم عند الحاجة وتُنسى عند الضرورة.

أما النجوم، فلهم نصيبهم من هذه الازدواجية. فبعض اللاعبين يُحاكمون بأعمارهم عندما يحققون الإنجازات، بينما يُحتفى بآخرين في العمر ذاته باعتبارهم أصحاب خبرة وقيمة فنية استثنائية. وفي الحالتين، لا يتغير اللاعب ولا تتغير الأرقام، وإنما يتغير فقط لون القميص.

وإذا انتقلنا إلى تقييم اللاعبين، سنجد أن اللاعب نفسه قد يُوصف بالنجم الكبير في موسم معين، ثم يصبح لاعبًا عاديًا أو غير جدير بالمنتخب عندما تتغير وجهته أو تتبدل الحسابات. وكأن المستوى الفني أصبح تابعًا للانتماء، لا للأداء داخل الملعب.

الإعلام المهني الحقيقي لا يقاس بمدى دفاعه عن ناديه المفضل، بل بقدرته على تطبيق المبدأ نفسه على الجميع. فالنقد يجب أن يكون للجميع، والإشادة يجب أن تكون للجميع، والاحتكام إلى الأرقام والوقائع يجب أن يظل ثابتًا مهما تبدلت الألوان والشعارات.

الجماهير اليوم أكثر وعيًا من أي وقت مضى. لم تعد تبحث عمن يشجع نيابة عنها، فالمشجع قادر على القيام بهذه المهمة بنفسه. ما تبحث عنه الجماهير هو إعلامي يملك الشجاعة ليقول الكلمة ذاتها عندما يستفيد ناديه أو يتضرر، وأن يطبق المعيار نفسه على الهلال والنصر والاتحاد والأهلي وسائر الأندية دون استثناء.

فالمصداقية لا تُبنى بكثرة المتابعين، ولا بارتفاع الصوت، ولا بقدرة الإعلامي على إثارة الجدل. المصداقية تُبنى عندما يبقى المبدأ ثابتًا، حتى عندما يكون تطبيقه مؤلمًا على النادي الذي يشجعه.

وفي النهاية، قد يختلف الناس في الآراء والتوقعات والانتماءات، لكنهم يتفقون على شيء واحد: أن العدالة الرياضية لا تتجزأ، وأن الإعلامي الحقيقي لا يُعرف من النادي الذي يميل إليه، بل من ثباته على المعيار نفسه في كل الظروف.
خاتمة البروق ( ‏لَقَد أَسمَعْتَ لَو نادَيْتَ حَيّاً … وَلَكِن لا حَياةَ لِمَن تُنادي
‏وَلَو ناراً نَفَختَ بِها أَضاءَت … وَلَكِن أَنتَ تَنفُخُ في الرَمادِ)

شاهد أيضاً

وسائل التواصل الإجتماعي هل تؤدي إلى تباعد افراد الاسرة وتدمير المجتمع؟

عبدالله سعيد الغامدي. اطلعت على مقطع فيديو يشير الى خطورة وسائل التواصل الإجتماعي وانها جاءت …

اترك تعليقاً