
د. مذكر آل جافل
في السنوات الأخيرة، برزت في وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة تستحق الوقوف عندها، وهي إطلاق لقب “شيخ قبيلة” على أشخاص لا يعرف لهم تاريخ في المشيخة، ولا يمتد نسبهم إليها عبر آبائهم أو أجدادهم، ولا يستند هذا اللقب إلى عرف قبلي أو اختيار جماعي من أبناء القبيلة، وإنما يظهر فجأة في منشورات أو مقاطع مصورة حتى يظن المتابع أن الأمر حقيقة ثابتة، بينما هو في كثير من الأحيان لا يعدو كونه لقبًا صُنع في فضاء التواصل الاجتماعي.
والمشيخة في المجتمع القبلي ليست لقبًا يُمنح لمجرد الشهرة، ولا صفة يكتسبها الإنسان بكثرة ظهوره أو عدد متابعيه، بل هي مسؤولية اجتماعية لها جذورها التاريخية، تقوم على الإرث المعروف، أو الاختيار الذي يجتمع عليه أهل القبيلة وفق أعرافهم، ويتحمل صاحبها أعباء الإصلاح بين الناس، وتمثيل القبيلة، ورعاية مصالحها، وليس مجرد الظهور الإعلامي أو حضور المناسبات.
ومما يزيد هذه الظاهرة انتشارًا أن بعض الحسابات تسارع إلى استخدام الألقاب الكبيرة لجذب الانتباه، فيُقدَّم الشخص بوصفه شيخًا، ثم تتناقل الحسابات ذلك دون تثبت، حتى يصبح اللقب وكأنه حقيقة لا تقبل النقاش. ومع مرور الوقت تختلط الحقائق بالادعاءات، ويصعب على كثير من الناس التمييز بين المشيخة الأصيلة وبين الألقاب المصنوعة.
ولا يقتصر أثر هذه الظاهرة على الخطأ في توصيف الأشخاص، بل يتعداه إلى التقليل من قيمة المشيخة الحقيقية التي حفظها التاريخ وتوارثتها القبائل جيلاً بعد جيل. فحين يتساوى صاحب الإرث المعروف بمن حمل اللقب عبر وسائل التواصل، تضيع المعايير، ويختل ميزان التقدير، ويصبح اللقب عرضة للتداول دون ضوابط.
ومن الإنصاف القول إن خدمة القبيلة والإسهام في إصلاح ذات البين والعمل الاجتماعي أعمال جليلة تستحق الاحترام، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن صاحبها أصبح شيخًا للقبيلة. فهناك فرق بين الوجاهة الاجتماعية، أو المكانة الشخصية، أو شهرة إعلامية، وبين المشيخة التي لها أصولها وأعرافها المعروفة عند أهل القبائل.
إن المحافظة على دقة الألقاب ليست مسألة شكلية، بل هي حفظٌ للتاريخ، وصونٌ للأعراف، واحترامٌ للحقائق. ومن الواجب على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ألا ينساقوا خلف الألقاب المتداولة دون تثبت، وألا يمنحوا الأوصاف الكبيرة إلا لمن استحقها وفق ما جرى عليه العرف المعتبر.
ويبقى احترام الأشخاص واجبًا، لكن احترام الحقائق واجبٌ كذلك. فالألقاب الكبيرة لا تكتسب قيمتها من كثرة تداولها، وإنما من صدقها، ومن اعتراف المجتمع بها، ومن التاريخ الذي يقف خلفها. وكلما التزم الناس بالدقة في إطلاق الألقاب، بقيت للمشيخة هيبتها، وللتاريخ مكانته، وللأعراف احترامها.
د. مذكر آل جافل
جامعة الحدود الشمالية
عسير صحيفة عسير الإلكترونية