حين يكون الضمير ثروة

بقلم د. جملاء الغامدي ✍️

لفتت انتباهي عبارة قصيرة قرأتها، وما زالت تتردد في ذهني كلما مررت بها:

“كسرة خبزة.. وبيالة شاهي، مع ضمير حي خير من الدنيا وما فيها.”

وربما لأن العبارات العظيمة لا تُقاس بطولها، فقد وجدت في هذه الكلمات القليلة فلسفة حياة كاملة، تختصر معنى السعادة، والطمأنينة، والنجاح الحقيقي.

نحن نعيش في زمن تُقاس فيه القيمة بما يملكه الإنسان من مال أو منصب أو شهرة، حتى أصبح كثير من الناس يلهثون خلف المزيد، ظنًا منهم أن السعادة تسكن هناك، عند الراتب الأعلى أو البيت الأكبر أو المكانة الأرفع. لكن هذه العبارة جاءت لتعيد ترتيب المعادلة من جديد، وتذكرنا أن الإنسان قد يملك الدنيا كلها، لكنه إذا فقد راحة ضميره فقد خسر أعظم ما يملك.

فالخبز والشاي هنا ليسا مجرد طعام وشراب، بل رمز للحياة البسيطة التي يرضى بها صاحبها ما دام قلبه مطمئنًا ونفسه هادئة. إنها دعوة لأن ندرك أن قيمة الإنسان ليست فيما يجمعه من متاع، بل فيما يحمله من مبادئ وأخلاق ونقاء سريرة.

كم من إنسان ينام على فراش وثير لكنه يحمل همومًا لا تنام، لأنه ظلم أو خان أو أكل حقًا ليس له. وكم من إنسان بسيط الإمكانات، محدود الدخل، لكنه يضع رأسه على وسادته كل ليلة مطمئن القلب، لأنه لم يؤذِ أحدًا ولم يبع ضميره في سوق المصالح.

إن الضمير الحي نعمة عظيمة، فهو الحارس الذي يراقب الإنسان حين يغيب الرقيب، وهو الصوت الخافت الذي يمنعه من الخطأ حتى عندما يستطيع أن يفعله دون أن يراه أحد. لذلك كان أصحاب الضمائر الحية أغنى الناس وإن قلّت أموالهم، وأقوى الناس وإن ضعفت مناصبهم، وأسعد الناس وإن ضاقت بهم الدنيا.

ولعل أجمل ما في هذه العبارة أنها تعيد تعريف الثراء الحقيقي. فالثراء ليس كثرة الممتلكات، وإنما راحة القلب. وليس النجاح أن تصل إلى القمة بأي وسيلة، بل أن تصل إليها وأنت محافظ على قيمك ومبادئك. وليس المكسب فيما يدخل إلى جيبك فقط، بل فيما يبقى نقيًا في ضميرك.

وفي نهاية المطاف، قد تختلف أرزاق الناس وأحوالهم، لكن يبقى هناك رزق لا يُقدّر بثمن، ولا يُشترى بمال، ولا يمنحه إلا الله لعباده الصادقين؛ إنه رزق الطمأنينة.

ولهذا أجدني كلما قرأت هذه العبارة أوقن أن صاحبها لم يكن يكتب كلمات عابرة، بل كان يختصر تجربة حياة كاملة:

“كسرة خبزة.. وبيالة شاهي، مع ضمير حي خير من الدنيا وما فيها.”

فما أجمل البساطة حين يزينها الرضا، وما أعظم الغنى حين يسكنه ضميرٌ حيّ.

شاهد أيضاً

هل يصنع الثأر دولة؟

عبدالله سعيد الغامدي. ليست الأمم العظيمة تلك التي تُتقن الانتقام، بل تلك التي تُجيد صناعة …

اترك تعليقاً

şans casino |
vidobet |
vidobet |
vidobet güncel giriş |
vidobet giriş |
casinolevant |
casinolevant |
casinolevant |
vidobet giriş |
şans casino |
casinolevant giriş |
casino şans |
şans casino giriş |
casino levant |
casino şans |
casino şans |
boostaro |
casinolevant giriş |
şans casino giriş |
casinolevant giriş |
şanscasino |
vidobet |
vidobet giriş |
levant casino |
galyabet |
gorabet |
gorabet |
gorabet |
vidobet giriş |
galyabet |
gorabet |
gorabet |
nigeria betting |
sports betting