الحقيقة التاريخية حين يصحح المنهج العلمي السرديات الشائعة .. (كولومبوس وأمريكا مثالًا)

بقلم: د. سعيد بن عبدالله بن علي آل جفشر

ليس كل روايةٍ أو سرديةٍ تاريخيةٍ متداولة تُعد حقيقةً أو حدثًا ثابتًا؛ فشيوع الرواية واستفاضتها بين الناس لا يعني بالضرورة صحتها وثبوتها، كما أن ضعف انتشار روايةٍ أخرى لا ينفي صحتها. فالتاريخ لا يُبنى على كثرة الترديد، وإنما يقوم على الوثائق والشواهد والقراءة المتأنية للمصادر من خلال أدوات البحث العلمي.

 

حضرت هذه الفكرة في ذهني في أثناء حديث عدد من الأصدقاء عن مباراة إسبانيا والأرجنتين على كأس العالم، وهي المباراة التي تابعها الناس على اختلاف أعراقهم وأجناسهم وميولهم. ولم أتابعها حيث أني لا أميل إلى أيٍّ من المنتخبين؛ إذ إن اهتمامي الكروي ينصب على المنتخب السعودي، وما أرجوه له من نجاحٍ وتوفيق في قادم الأيام.

 

إلا أن حديثهم عنها قد دفعني لمشاهدة تسجيلا كاملا للمباراة، وحقيقة استوقفتني بعض الوجوه، سواء بين أفراد المنتخب الإسباني أو في مدرجات الجماهير، لما بدا عليها من ملامح وسحنات عربية واضحة، ربما كان ذلك لتعلقي بالتاريخ وشغفي به فكانت الملاحظات التي نقلت لي قد رسخت الفكرة لدي ولكني أصدق القاريء الكريم القول أن تلك القواسم المشتركة التي رأيتها وراءها غيري أعادت إلى ذهني عمق الحضور العربي والإسلامي في التاريخ الإسباني، وما تركه الوجود الأندلسي من آثار ممتدة في المجتمع والثقافة واللغة والعمران.

وأعادتني تلك المشاهد إلى سنوات الدراسة في مرحلتي البكالوريوس والماجستير، حين نهلت من علم أساتذتي الأفاضل فيما يتعلق بتاريخ المغرب الإسلامي والأندلس، فجزاهم الله عنا خير الجزاء؛ فقد علّمونا أن التاريخ لا يُقرأ بما اشتهر بين الناس، وإنما بما تثبته الوثائق، وتعضده الشواهد، ويؤيده البحث العلمي الرصين. كما اطلعت خلال تلك المرحلة على عددٍ من الدراسات التي تناولت التاريخ الأندلسي، فوجدته تاريخًا ثريًّا وممتعًا، يزخر بكثيرٍ من المفاخر الحضارية والعلمية والتاريخية للعرب والمسلمين.

ومن هذا المنطلق، ومن باب الفضول العلمي، بدأت أبحث وأسترجع معلوماتي عن التاريخ الأندلسي في عددٍ من الدراسات والمواقع المهتمة بالتاريخ الأندلسي والإسباني خاصة وبالتاريخ بشكل عام، فاستوقفني مقطعٌ للدوقة الإسبانية لويزا إيزابيل ألفاريز دي توليدو، دوقة مدينة سيدونيا، عرضت فيه رؤيتها بشأن وصول المسلمين والأندلسيين إلى القارة الأمريكية قبل رحلة كريستوفر كولومبوس بقرون.

وقد توصلت الدوقة، بعد سنواتٍ من دراسة الوثائق المحفوظة في أرشيف أسرة مدينة سيدونيا، إلى وجود رحلات بحرية أندلسية وإسلامية عبر المحيط الأطلسي قبل عام 1492م، وعرضت هذه الفكرة في كتابها «أفريقيا في مواجهة أمريكا».

ومن أبرز ما توصلت إليه وجود وثائق تشير إلى أن بحارةً من الأندلس والمغرب كانوا يعرفون مسالك الملاحة في المحيط الأطلسي، وأنهم وصلوا إلى سواحل ما يُعرف اليوم بالبرازيل وفنزويلا وغيانا، وأقاموا معها صلاتٍ تجارية قبل رحلة كولومبوس. كما رأت أن خبرات هؤلاء البحارة انتقلت إلى الإسبان، وأن بعض الملاحين الذين رافقوا كولومبوس كانوا ينتمون إلى أسرٍ بحرية أندلسية تمتلك معرفةً سابقة بالإبحار غربًا.

وبناءً على قراءتها لتلك الوثائق، لم تكن رحلة كولومبوس انطلاقًا نحو أرضٍ مجهولةٍ تمامًا، بل جاءت امتدادًا لمعرفةٍ بحريةٍ وملاحيةٍ سبقتها بقرون.

ومن الحقائق التاريخية اللافتة أن كريستوفر كولومبوس اصطحب في رحلته الأولى عام 1492م مترجمًا يجيد اللغة العربية، هو لويس دي توريس، الذي كان يتقن العربية والعبرية والكلدانية. وكان كولومبوس يتوقع أن يلتقي خلال رحلته بتجارٍ أو شخصياتٍ يمكن التواصل معها بهذه اللغات، وهو ما يعكس المكانة الواسعة التي كانت تحتلها اللغة العربية في ذلك العصر، بوصفها إحدى أهم لغات التجارة والعلم والمعرفة.

ويُعد وجود مترجمٍ للغة العربية ضمن بعثة كولومبوس من الشواهد اللافتة التي تبرز الحضور الحضاري للعرب والمسلمين في طرق الملاحة والتجارة والمعرفة آنذاك، وتدعو إلى التأمل في عددٍ من الروايات التاريخية المتداولة وإعادة قراءتها في ضوء الوثائق والمصادر.

 

إن الغاية من عرض هذا الموضوع هي التأكيد على قضيةٍ منهجيةٍ في غاية الأهمية؛ وهي أن كثيرًا من الروايات التاريخية التي ترسخت في الأذهان تحتاج إلى مراجعة، وأن الباحث المنصف الذي يحترم منهجية البحث العلمي لا يجعل شهرة الرواية دليلًا قاطعًا على صحت رواية أو قصة أو رأي، كما لا يجعل قلة انتشار الحقيقة أو حجبها دليلًا على بطلانها.

ولعل هذه المنهجية لا تقتصر على التاريخ الأندلسي وحده؛ فكم من أحداث التاريخ العربي والإسلامي، بل وحتى تاريخنا الاجتماعي المحلي، وما يتصل بأنساب القبائل القديمة وتفرعاتها الحديثة، ومن ذلك جدلية عقيمة في نسب احدى قبائل المملكة العريقة هذه الجدلية التي لا تزال بحاجة إلى إعادة قراءة تُقدِّم الحقيقة على السردية التاريخية الشائعة. فكثير من تلك السرديات انتشرت على ألسنة الحكواتية والرواة الشفهيين وتناقلتها بعض الكتب من كتاب مجتهدون أو مجهولون وتناقلتها الأجيال دون أن تستند إلى وثيقة حقيقة، أو مخطوطة، أو دليل تاريخي معتبر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة كثيرٍ من الأحداث والروايات بعين الناقد التاريخي، لا بعين المقلِّد؛ أو صاحب الهوى بل بعين الباحث عن الحقيقة، الذي يحتكم إلى الوثيقة والمصدر، ويجعل الدليل العلمي فوق شيوع الرواية واستفاضتها. فالتاريخ لا يصنعه التكرار، وإنما تثبته الشواهد، وتؤيده المصادر، وتحسمه منهجية البحث العلمي الرصين.

فالتاريخ علمٌ متجدد، وكلما ظهرت وثائق جديدة، أو أُعيدت قراءة المصادر قراءةً علميةً واعيةً، انكشفت جوانب كانت غائبة أو مغيبة. ولذلك يبقى الواجب على الباحث أن يزن الروايات بميزان الوثيقة والدليل، لا بميزان الشيوع والاستفاضة؛ فليس كل ما تكرَّر على الألسنة حقيقةً ثابتةً، وليس كل ما غاب عن التداول باطلًا أو معدومًا.

شاهد أيضاً

تحية طيبة أما بعد

لاحق بن عبدالله آل حامد – الشبارقة زائرنا الكريم أيها القادم المحترم والغالي حينما ترى …

اترك تعليقاً

şans casino |
vidobet |
vidobet |
vidobet güncel giriş |
vidobet giriş |
casinolevant |
casinolevant |
casinolevant |
vidobet giriş |
şans casino |
casinolevant giriş |
casino şans |
şans casino giriş |
casino levant |
casino şans |
casino şans |
boostaro |
casinolevant giriş |
şans casino giriş |
casinolevant giriş |
şanscasino |
vidobet |
vidobet giriş |
levant casino |
gorabet |
galyabet |
gorabet |
gorabet |
gorabet |
vidobet giriş |
galyabet |
gorabet |
gorabet

Warning: PHP Startup: Invalid date.timezone value 'أوروبا / لندن', using 'UTC' instead in Unknown on line 0