
بقلم / عبدالمحسن محمد عسيري
كثيراً ما نتحدث عن الحسد بوصفه شعوراً داخلياً ناتجاً عن الغيرة أو الطمع، غير أن هناك نوعاً أشد خطورة وأقسى أثراً، وهو ما يمكن تسميته بـ “الحسد العقابي”. هذا النوع لا يكتفي صاحبه بتمني زوال النعمة عن غيره، بل يشعر بضرورة معاقبة صاحبها لمجرد أنه يمتلكها، وكأن لسان حاله يقول: “لماذا يعيش فلان في راحة بينما أعاني أنا؟ إذن لا بد أن أذيقه مرارة ما أذوقه.”
الحسد الطبيعي – على سوئه – يظل غالباً شعوراً صامتاً مكبوتاً في النفس، أما الحسد العقابي فيتجاوز حدود الشعور إلى الفعل، حيث يتحول الحاسد إلى ما يشبه “القاضي والجلاد” في آن واحد، ساعياً لحرمان غيره أو إيذائه، لا بدافع المصلحة الشخصية، بل بدافع العدوان المحض.
المنطق المريض للحاسد العقابي
يتجسد هذا المنطق في مقارنات داخلية مشوَّهة:
لماذا رُزق فلان بأطفال ولم أرزق أنا؟
لماذا حصل على وظيفة مرموقة بينما حُرمت أنا؟
لماذا يعيش في منزل ملك وأنا ما زلت في الإيجار؟
ومن هنا ينطلق السلوك العقابي، في صورة أفعال متعمدة مثل:
وقف الدعم فجأة رغم العلم بحاجة الآخر إليه.
تعطيل الأعمال أو المصالح بأسلوب مقصود.
الامتناع عن المساعدة بحجج واهية.
تقليص الفرص أو قطع الأرزاق دون مكسب شخصي، فقط لإلحاق الخسارة بالآخر.
أقنعة الحسد العقابي
ما يجعل هذا النوع أكثر خطورة هو أنه غالباً ما يتخفى خلف أقنعة مختلفة؛ فقد يأتي في ثوب “النصيحة” ليُثنيك عن نجاح، أو في ثوب “الظروف القاهرة” لتبرير التعطيل والمماطلة. وربما يُظهر صاحبه مديحاً أمام الناس، لكنه عند المواقف الفاصلة يتحول إلى خصم صريح.
كيف يمكن كشفه والتعامل معه؟
الملاحظة الدقيقة: راقب سلوك الشخص بعد أي إنجاز أو نعمة تنالك، فإن تبدل موقفه أو اتخذ قرارات عقابية غير مبررة، فذلك مؤشر واضح.
الفصل بين الفعل والمشاعر: لا تجعل عدوانه مدخلاً لجلد الذات أو اتهام نفسك.
كشف التناقض: واجهه بوعي وهدوء عند الضرورة، من دون انفعال يمنحه شعور الانتصار.
التحكم في زمام مشاعرك: فالحاسد العقابي يتغذى على ردة فعلك السلبية.
تقليل الاحتكاك: خصوصاً في أوقات نجاحك أو فرحك، حيث تزداد نزعته العقابية.
في النهاية
الحسد العقابي ليس مجرد غيرة، بل هو عدوان بارد متعمد، يهدف إلى معاقبة الآخر على نعمته، لا لشيء إلا لأنه سعيد أو ناجح. ومتى ما كشفته، وجب وضع الحدود اللازمة معه، لأن هذا النوع من البشر في حقيقة الأمر يوجه لك رسالة واحدة: “أنت بخير أكثر مما أحتمل، ولذا يجب أن أغيّر هذا الواقع.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية