
عبدالله سعيد الغامدي.
في خضم التسارع المادي الذي يعيشه العالم اليوم، تتغير كثير من المفاهيم، وتتبدل الأولويات بشكل لافت، حتى أصبحنا نشهد مفارقات عجيبة تكشف خللاً واضحاً في ترتيب القيم. فحين تصبح لوحة السيارة أغلى من السيارة نفسها، ندرك أن المظهر بدأ يتفوق على الجوهر، وأن الرمز طغى على الحقيقة.وحين ترتفع قيمة الأرض لتفوق قيمة البيت الذي يُفترض أن يكون مأوى ودفئاً واستقراراً، فإننا أمام مؤشر آخر على أن الماديات باتت تقاس بمعايير بعيدة عن الاحتياج الإنساني الحقيقي. وكذلك الحال عندما يتحول حفل الزفاف إلى عبء مالي ثقيل يفوق قيمة المهر، فيغدو الفرح مناسبة للاستعراض أكثر من كونه بداية حياة قائمة على التفاهم والبساطة.ولم تتوقف هذه الظواهر عند هذا الحد، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، حين تصبح خدمة التوصيل أغلى من الوجبة نفسها، في دلالة واضحة على نمط استهلاكي يتسع على حساب المنطق. والأخطر من ذلك كله، عندما يُقاس الجمال بصفاء البشرة، بينما يُهمَل صفاء القلب، فتتراجع القيم الإنسانية أمام سطوة المظاهر.
إن هذه المشاهد ليست مجرد مواقف عابرة، بل هي إشارات تستدعي التوقف والتأمل. فالمجتمع الذي يقدّم القشور على المضامين، ويُعلي من شأن المظاهر على حساب الجوهر، هو مجتمع يسير – دون أن يشعر – عكس الاتجاه.
إعادة ترتيب الأولويات لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحّة. نحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية لوعينا الجمعي، وإلى ترسيخ قيم التوازن والاعتدال، حيث يُمنح كل شيء حجمه الطبيعي دون مبالغة أو تفريط. فالقيمة الحقيقية ليست فيما نملك، بل في كيف نعيش، وفيما نحمله من مبادئ وأخلاق.وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نملك الشجاعة الكافية لنُعيد تصحيح المسار، أم سنواصل السير عكس الاتجاه حتى نصطدم بواقع لا يمكن تجاهله. وفق الله الجميع
عسير صحيفة عسير الإلكترونية