
بقلم/ يحيى العلكمي
في منطقة عسير ومناطق المملكة جميعها، لا تُعدّ التحية مجرد إطلالة عابرة، إنما هي ممارسة يومية تحمل في طياتها سردية اجتماعية عميقة، تشكّل جزءًا أصيلًا من بنية التواصل الإنساني بين أفراد المجتمع، ومن بين هذه التحايا تبرز عبارة “والعون والسلامة” بوصفها مفتاحًا لغويًا يختزن معاني الاستعانة بالله، والرجاء للآخرين بالسلامة والطمأنينة في آنٍ واحدٍ، ما يشيع دفئًا إنسانيًا ويعزز حضور القيم المشتركة.
هذه التحية لا تُقال اعتباطًا، إنما تنبثق من سياق ثقافي متجذر، حيث تتداخل اللغة بالحياة اليومية، وتغدو المفردة وسيلة لبناء جسور التقارب حين يتبادلها الناس وغيرها في الصباح أو المساء، أو عند مباشرة عملٍ ما، فهم لا يكتفون بإلقاء التحية، إنما يعلنون ضمنًا عن استعدادهم للتكاتف، واستحضار العون الإلهي في تفاصيل حياتهم. وهنا تتبدى التحية بوصفها فعلًا اجتماعيًا يعزز الانتماء، ويؤسس شعورًا جمعيًا بالأمان.
كما أنّ تنوع ألفاظ التحايا (التصبيحات والتمسيات) في قرى عسير يعكس ثراءً لغويًا نابضًا بالحياة، حيث تتخذ كل عبارة دلالةً خاصة ترتبط بالموقف والسياق؛ هذا التنوع لا يشتت المعنى، إنما يثريه، ويمنح التواصل بُعدًا إنسانيًا مرنًا قادرا على استيعاب اختلاف الحالات والمشاعر. في هذا الإطار تتحول اللغة إلى مساحة مشتركة تُمارس فيها القيم، ويُعاد إنتاجُها يوميًا عبر التفاعل الحيّ بين الناس.
وتكتسب هذه السردية التواصلية أهميتها من كونها قائمة على شبكة من العلاقات الاجتماعية المتينة، حيث تلعب التحية دورًا في تثبيت هذه الروابط وتعزيزها. إن تبادل العبارات ذات الطابع الاتصالي، مثل طلب العون والسلامة، أو التهاني المتبادلة في المناسبات الدينية من مثل (عاد عيدكم) أو في مواقف الفقد والعزاء من مثل (معاوضين بخير) يرسّخ ثقافة التكافل، ويجعل من المجتمع كيانًا متماسكًا يتقاسم أفراده الأفراح والأوجاع. هكذا تصبح الكلمات وسيلة لبث الطمأنينة، وإشاعة روح العمل بثقة واستقرار.
ومن اللافت أن هذه الممارسات لا تزال حاضرة رغم التحولات الحديثة، وهو ما يدل على قدرتها على التكيّف والاستمرار؛ فهي ليست مجرد تقليدٍ ماضويٍ، إنما منظومة حيّة تستمد قوتها من حاجة الإنسان الدائمة إلى التواصل الصادق، والشعور بالأمان. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى تحية “والعون والسلامة” بوصفها تعبيرًا مكثفًا عن فلسفة اجتماعية ترى في التعاون والتراحم أساسًا للحياة المشتركة.
إن الحفاظ على هذه السردية التواصلية يعني صون جزءٍ مهم من الهُوية الثقافية، وتعزيز قيم إنسانية تظل ضرورية في كل زمان، فهي تمنح المجتمع تماسكًا داخليًا، وتؤسس لفضاءٍ اجتماعي تسودُه الألفة، ويُمارَس فيه العيش المشترك بوعي وطمأنينةٍ وأمان.
كاتب سعودي
عسير صحيفة عسير الإلكترونية
أستاذ. قيم ومُثل عليا رسخت في نفوس أجيال بعد أجيال. كل التقدير و الاحترام لشخصكم الكريم على هذه الاضاءةالجميلة. وفقك الله.
“ليست مجرّد مزيج غامض من الكلمات،
وليست زهوًا بأغانٍ خاوية الصدى،.
هي مرآةُ المجتمع
هي دليلُه،وعلامتُه الفارقة،
وميراثُه الخالد إلى الأبد.”
الشاعر الصومالي. محمد إبراهيم – رحمه الله تعالى واسكنه فسيح جناته.