
بقلم: د. سعيد بن عبدالله بن علي آل جفشر
في زمن تتسارع فيه وسائل التواصل الاجتماعي، وتنتشر فيه المقاطع المرئية على نطاق واسع، تبرز بين الحين والآخر مشاهد تحمل رسائل اجتماعية عميقة تتجاوز حدود الحدث ذاته لتقدم دروسًا عملية في الحكمة والقيادة المجتمعية. ومن بين تلك المشاهد ما تداولته منصات التواصل خلال الأيام الماضية، والذي أظهر نموذجًا مشرفًا من أبناء قبيلة آل الجحل في إدارة الخلافات واحتواء النزاعات وإعلاء قيم الصلح والتسامح.
ولمن لم يحضى بمشاهدة تلك المقاطع المشرفه فسوف أعرض ما زودني به الاستاذ علي آل سيف من إيضاحات أشكره عليها فعلى عادة قبيلة آل الجحل في مواقف الرفق والألفة والترابط والتكاتف، دعا نائب القبيلة الشيخ محمد بن ناصر بن عبدالله آل شويل كافة أفراد القبيلة إلى الاجتماع والإقبال على أبناء عبدالله بن مانع بن عريج وأسرتهم، وطلبهم في فتح باب المفاوضات في قضية العفو عن رفيقهم وابن عمهم سعيد بن مشهور بن عوير.
وبتوجيه ومتابعة من مقام إمارة المنطقة، وحضور أعداد غفيرة من أعيان القبيلة وأفرادها، في مشهد تجاوز عدد الحاضرين فيه خمسمائة رجل، اتجه الجميع نحو منزل عايض بن عبدالله بن مانع بن عريج وهم يرددون أبيات الشاعر حسين بن عايض بن مشبب آل سلطان:
يالمطاليق يال عريج نطلبكم إطلاق السجين
اكسبوا الأجر من ربي وفوزوا بجنات العلا
حن بني عمكم وانتوا بني عمنا عين اليمين
وابشروا بالقوادي لين ترضون سد واقبلا
هذا الشاعر والمتحدث البليغ في كثير من مواقف القبيلة عبر تاريخها الذي حاز على احترام وتقدير الكثير من أبناء قبيلته لكبر عمره وطيب اخلاقه وتقدير ربعه له.
قام أفراد القبيلة بـأداء هذا اللون العتيق العريق (الزامل) الذي لم يكن يؤدى عبر التاريخ الاجتماعي عند ال الجحل إلا في مواقف الحرب والسلم فقط وبعد الانتهاء منه رحب عايض بن عريج بقبيلته إلا أن كلمة قالها تكتب بماء الذهب قد استوقفتني كثيرا حين قال: «فتحت بابي لكم فقط يا ربعي للتداول في القضية ولم أفتحه لغيركم»، وهو ابن عبدالله بن عريج رحمه الله الذي عرف بالكرم وبانه صاحب نار لا تطفى وباب لا يغلق فلا غرابة عليه هذه الكلمة وهي عبارة تختصر حجم الثقة المتبادلة بين أبناء القبيلة، وتجسد عمق الروابط الاجتماعية التي تجعل الحوار والصلح مقدمين على كل ما سواهما.
وبحضور عدد من أسرة آل عريج جرى التفاوض في القضية، وبعد الأخذ والرد طلب آل عريج إنهاء قضية سابقة يرغبون في حلها مع القبيلة، فارتضى الجميع تعيين عدلٍ بينهم للفصل في الخلاف وفق ما جرى عليه العرف القبلي والعادات والتقاليد الاجتماعية الأصيلة التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، بل تنسجم مع مقاصدها في الإصلاح وجمع الكلمة وإطفاء أسباب النزاع.
إن وجود هذا العدد الكبير من الرجال، وما دار بينهم من نقاش ومصارحة وعتب، يؤكد أننا أمام مشهد ناضج من مشاهد السلم المجتمعي، حيث لم يكن الهدف الانتصار لرأي أو طرف، بل البحث عن مخرج يحفظ وحدة القبيلة ويعزز روابطها الاجتماعية. وقد تجلت في هذا الموقف قيم الحكمة والتروي وتغليب المصلحة العامة، كما ظهر نجاح الأطراف في إدارة الاختلاف من خلال الحوار والقبول بالتحكيم والاحتكام إلى الأعراف الاجتماعية الأصيلة.
كما أن اتفاق الجميع على اختيار من يرتضونه عدلًا بينهم يعكس وعيًا اجتماعيًا رفيعًا، ويؤكد أن الخلاف مهما بلغ حجمه يمكن تجاوزه متى ما توفرت الإرادة الصادقة والقيادات الحكيمة. ومن يتابع ما جرى يدرك أن القضية لم تعد قضية نزاع بقدر ما أصبحت مشروعًا للإصلاح ولمّ الشمل، وأن الصلح بين الأطراف بات أقرب من أي وقت مضى بإذن الله.
أما شيخ القبيلة، المتحدث البليغ والموفق والذي ظهر في تلك المقاطع متحملًا للمسؤولية، صابرًا على ما دار من نقاش، مديرًا للمشهد بسعة صدر وحكمة واتزان، وهو ما يذكرنا بقول الشاعر:
الشيخ من يفرش لربعه ثيابه
ويرد على الردات قبل يردون
وكذلك قول الشاعر الآخر:
شيخ الشيوخ اللي لربعه منيحه
ما هو من اللي شيخته بس للروح
ولا يخفى أن الإصلاح بين الناس من أعظم الأعمال شأنًا وأرفعها منزلة، فقد حث عليه الإسلام وجعله من أجلّ القربات، لما يترتب عليه من حفظ للأواصر الاجتماعية وإطفاء لنيران الفتن وترسيخ لمعاني الأخوة والتراحم. ومن هنا فإن كل جهد يُبذل في سبيل الإصلاح يستحق الإشادة والتقدير، وكل نموذج ناجح في هذا المجال جدير بأن يُبرز ويُحتفى به.
فهذه القبيلة العريقة بتاريخها وماضيها وحاضرها ومستقبلها، قدمت عبر تاريخها رجالًا نادرين من الشيوخ والفرسان والرموز الذين كانت لهم مواقف مشرفة في خدمة وطنهم ونصرة الدولة السعودية، ولهم كيانهم المستقل وتاريخهم المشرق.
وقد وصفهم أحد شعراء المنطقة في مطلع القرن الهجري الماضي، وتحديدًا عام 1311هـ، بقوله:
سلام يا ذوب القبائل في الحروب
سد قطيب وحرز للمشارق كلها
إن قبيلة استطاعت أن تدير اختلاف وجهات النظر، وأن تفتح أبواب الإصلاح والحوار، وأن تجمع أبناءها على كلمة سواء، لجديرة بالاحترام والتقدير ورفع الرايات البيضاء لها. ومن خلال ما شاهدناه، فإن بشائر الصلح تبدو واضحة، وما يجمع القوم أكبر بكثير مما يفرقهم.
فالشكر كل الشكر لال الجحل شيخاً وقبيلة والشكر كل لكل من ساهم في جمع الكلمة
و الشكر إلى أسرة آل عريج الكريمة برجالها وتاريخها وحاضرها، على ما أبدوه من سعة صدر وتجاوب ومسؤولية اجتماعية في سبيل الوصول إلى الحلول التي تحقق الخير للجميع.
وختامًا، فإن المجتمعات لا تُقاس بما يقع فيها من خلافات، وإنما تُقاس بقدرتها على إدارتها وتجاوزها، وبالرجال الذين ينهضون بمسؤولية الإصلاح عندما تتعقد الأمور. وهنا يبرز آل الجحل بوصفهم أنموذجًا يُحتذى في الحكمة الاجتماعية وإصلاح ذات البين، بما يجسد القيم العربية والإسلامية الأصيلة التي تجعل من العفو والتسامح والإصلاح طريقًا للمحبة والوئام والاستقرار.
نسأل الله تعالى أن يديم روح الرفق والتآلف بين أبناء قبيلة آل الجحل، وأن يؤلف بين القلوب، ويحفظ الجميع من كل شر ومكروه، وأن يكتب الخير والإصلاح والتوفيق للجميع.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية