
ففي داخل صدرك تعمل عضلة لا تعرف الإجازات ولا الأعذار. عضلة القلب تواصل عملها ليلًا ونهارًا، في الفرح والحزن، في الصحة والمرض، منذ أول نبضة وحتى آخر لحظة من العمر. لا تتوقف لأنها تعبت، ولا تتراجع لأنها واجهت يومًا صعبًا. وكأنها تهمس لك كل صباح: “استمر”.
وفي جسدك أيضًا عظمٌ هو الأقوى بين عظامك، عظم الفخذ، خُلق ليحمل أثقال الجسد كلها تقريبًا أثناء الوقوف والمشي والجري. لم تُمنح القوة له ليبدو صلبًا فحسب، بل ليؤدي وظيفته تحت الضغط.
وهنا تكمن الحكمة.
فالحياة لا تختبر الإنسان في أيام الراحة، بل في أيام الضغط. تمامًا كما لا تُعرف قوة القلب إلا عندما يواصل النبض رغم الإرهاق، ولا تُعرف متانة العظام إلا عندما تحمل الأوزان.
كثيرون يظنون أن النجاح لحظة وصول، بينما الحقيقة أنه سلسلة طويلة من المحاولات التي لم يشاهدها أحد، ومن الانتصارات الصغيرة التي تراكمت حتى صنعت إنجازًا كبيرًا. فالطبيب الذي أصبح مرجعًا في تخصصه، والمعلم الذي ترك أثرًا في طلابه، والعالِم الذي خدم أمته، والقاضي الذي أنصف الناس، جميعهم مرّوا بمراحل من الشك والتعب والإحباط والتحديات.
لكنهم لم يتوقفوا.
الإنسان لا يُقاس بعدد المرات التي سقط فيها، بل بعدد المرات التي نهض بعدها. فالسقوط حدث، أما الاستسلام فقرار.
ولهذا، إذا أثقلتك الأيام، فلا تنظر إلى ما بقي من الطريق، بل انظر إلى ما قطعته منه. تذكّر كم مرة ظننت أن الأمر انتهى ثم تجاوزته. تذكّر إنجازاتك الصغيرة التي صنعت شخصيتك الحالية. فذاكرة الإنسان تميل إلى تذكّر تعبه أكثر من تذكّر انتصاراته، بينما الحقيقة أن ما أنت عليه اليوم هو حصيلة معارك كثيرة انتصرت فيها بالفعل.
واعلم أن طلب المشورة ليس ضعفًا، وأن الاستعانة بأهل الخبرة ليست نقصًا، وأن العناية بالنفس ليست أنانية. عامل نفسك بالرحمة نفسها التي تعامل بها من تحب، وشجّعها بالكلمات التي تمنحها للآخرين.
ثم تذكّر الحقيقة الأهم: أن السعي وحده لا يكفي ما لم يصاحبه يقين بالله. فكم من باب ظننته مغلقًا ففُتح، وكم من أمر حسبته مستحيلًا فأصبح واقعًا. إن حسن الظن بالله ليس تفاؤلًا عابرًا، بل قوة داخلية تمنح الإنسان القدرة على الاستمرار عندما لا يرى النتائج بعد.
لذلك، إذا كان لا بد من نصيحة واحدة تُختصر فيها التجارب كلها، فستكون:
كن كقلبك؛ واصل النبض رغم التعب.
وكن كعظمك الأقوى؛ احمل ما كُتب عليك دون أن تنكسر.
واعضُض على الصبر؛ فما خُلقت أقوى العضلات إلا لتذكّرك أن الثبات قوة.
فبعض المعارك لا تُكسب بالصوت، بل بالصبر.
وبعض الانتصارات لا يصنعها الذكاء وحده، بل يصنعها الاستمرار.
وفي النهاية، لن يتذكرك الناس بعدد الأيام السهلة التي عشتها، بل بالأثر الجميل الذي تركته، وبالنور الذي أشعلته في حياة الآخرين، وبالقوة التي منحتها لمن جاء بعدك.
فامضِ في طريقك مطمئنًا…
ففي داخلك قلبٌ لم يتوقف منذ ولادتك،
فلماذا تتوقف أنت؟
في داخل كل إنسان دروس لا تُكتب في الكتب؛ بعضها ينبض في القلب، وبعضها يسكن في العظام.
كادي آل ثنيان
كاتبة ورسامة مهتمة بربط العلوم الطبية بالمعاني الإنسانية.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية