الأنا المتضخمة

بقلم: إبراهيم العسكري

عزمني أحد الزملاء الأعزاء ممن تربطني به صداقة قديمة، في إحدى الديوانيات، مع عدد من الزملاء الآخرين.

قبل ذلك اللقاء لم يكن بيننا تواصل إلا ما شاء الله بالصدفة، ربما خلال عقد أو أقل أو أكثر.
كان اللقاء الأول جميلًا إلى حد ما، وبدا على الأغلبية الارتياح.
افترقنا على أمل لقاءات لاحقة، بالتنسيق في القروب الذي أُنشئ ذلك المساء.

وبعد قرابة شهرين، عقدنا اللقاء الثاني بالأمس.
حضر ضيف لا نعرفه مع أحد الزملاء، فأخذ يتحدث بـ “الأنا المتضخمة”: أنا فعلت، وأنا أدرت، وكأنه مبعوث سياسي يرسم لنا خططًا وفق أهوائه. يتصدر كل موضوع، ولا يتيح لنا المداخلة إلا بثوانٍ، ليشرح بطريقته ومفهومه ما يجب علينا وما لا يجب. أدخلنا في متاهات “حيص بيص”، وأبعدنا عن نشوة اللقاء والوناسة التي كنا نرغبها.

ناقشته شخصيًا بمداخلة، فأدار وجهه لآخر من الحضور وانتقل لموضوع آخر. حاولت استعادة النقاش، فتلقيت إشارة من أخي الفاضل الذي كان على يميني، أشكره عليها، حين همس في أذني قائلًا: “إذا كان المتحدث خبلًا، فاترك مسافة ليبقى المنطق والعقل في ارتياح”. فأخذت برأيه الصائب.

وبعد تناول العشاء، استرسل ذلك الضيف حتى وقعت مشادة بينه وبين زميل آخر من الحضور. وكان زميلنا حليمًا جدًا في ردود أفعاله، مع ضيف عنيد كان يفترض أن يحترم وجود الحضور، باعتباره الغريب بينهم.

كلنا ندرك أن المفاهيم تختلف: بوجهات النظر، والثقافات، والآراء بين الأشخاص. فالبعض يدرك الصواب ولا يتعجل في إبداء الرأي، والبعض يدرك الأصوب، ولكنه يبدو ملهوفًا لطرح فكرة ما دون النظر إلى ما يتبعها من حيثيات، فينتج عنها ربما مآسٍ لم تكن في الحسبان، يختمها الندم.

الضيف مرافق صاحبنا، أصلحنا الله وإياه، يحاول تصدر المجلس، ويتحمس لما يطرح في أكثر من موضوع مبعثر.

جاءتني الفرصة حين سألني، وكنت أنتظر اللحظة لأرد على تجاهله الأول. فتجاهلت سؤاله المتكرر، وتوجهت بالحديث مع من نصحني مسبقًا، وفزت بالجولة الثانية.

شخصيًا، لست معترضًا عليه، فربما لديه إشكال أو غيره. وعتبي على من جاء به ليعكر جلستنا.

تحدث معي زميلنا الذي جاء الغريب برفقته، وعاتبني على تجاهلي سؤال مرافقه. فقلت: “لِمَ لم تعاتبه على تجاهله الأول لي؟” وانتقل الخلاف بيني وبين زميلنا، واحتد النقاش حتى تدخل بعض الحضور بطلب إغلاق الملف.

هنا أقول: لست مسؤولًا عن تفكير أحد، بقدر ما أرى أن لي الحق في التوصل لقناعة. طالما بدأ رفيقي بسؤالي لأبدي الرأي بما سأل، وإن كان يختلف كليًا عن وجهة نظره. ولن أُلزمه بالقبول مني، كما لا يُلزمني بقناعاته الخاصة.

الضيف المرافق أفسد اللقاء، فهو يرى أنه يتميز بالسبق في أفكاره، ومن بينها فكرة الموضوع الذي طرحه وطلب الرأي فيه، فسبب الإشكال حين تعارض مع فكرته.

وقبل المغادرة من الديوانية، ناقشت زميلي بهدوء للاعتذار، لأنه يعز علي. فعبس وتولى على عجل، رغم أن موضوع النقاش لا يحدد مصير قطيع من المواشي فضلًا عن البشر. لم يعجبه رأيي، رغم أن مرافقه هو من عرض الموضوع وطلب رأيي شخصيًا.

تذكرت قول الأديب الروسي تولستوي: “علينا أن نقدر حتى رأي الأغبياء، لأنهم الأغلبية”.
زميلي المعاتب أقدّره ويقدرني، لكنه سرعان ما تركني بعتب مجرد اختلاف فكرتي مع فكرته. فرأيت أن عليّ التحرر من تحمل انعكاس ردود الأفعال التي لا تتميز بالرقي في النقاش، لأعيش مع واقعي بسلام، وأحافظ على توازني بعيدًا عن فوضى أفكارهم.

ومضة:
المؤلم حقًا حين يربط البعض ممن نناقش سواءآ بهذا الموقف او بمواقف اخرى مرت علينا فيربط الفكرة بالدين والدين براء عما يقولون وكأنهم من حملة مفاتيح الجنة، والطرف الآخر من كفار قريش. فاختلاف الرأي بشيء معين لا يعني اختلاف الدين، والنقاش أمانة، لا ساحة حرب يا ابطال الهروب والانسحاب .

القاعدة التي أؤمن بها:
“خذ مني الرأي ولا تأخذني به. استشرني لأضيء لك طريقًا، لا لأمشي مكانك وفق رأي لم يناسبك”.

شاهد أيضاً

نعم الله وعنايته بنا.. ألطافٌ تحيط بنا دون أن نشعر

عبدالله سعيد الغامدي.  في زحام الحياة وتسارع أيامها، ينشغل الإنسان بما ينقصه، ويغفل أحيانًا عما …