محمد بن خالد العسيري… ثمانون عامًا من المجد وصناعة الإنسان

بقلم الإعلامي م. محمد ناصر خالد العسيري

هناك رجالٌ لا تُقاس أعمارهم بعدد السنين، وإنما بما تركوه من أثرٍ في القلوب، وما صنعوه من خيرٍ في حياة الناس. ومن هؤلاء الرجال يبرز اسم العم محمد بن خالد العسيري، الذي لم يكن النجاح بالنسبة له لقبًا أو منصبًا، بل كان رسالةً عاش من أجلها.

 

في الثانية عشرة من عمره، غادر أبها، مودعًا طفولته باكرًا، ومتجهًا إلى جدة يحمل قلبًا مفعمًا بالإيمان، وروحًا لا تعرف الاستسلام. لم يكن يبحث عن الراحة، بل كان يبحث عن فرصة يصنع بها مستقبله، ويُعين بها أسرته، ويثبت لنفسه أن الرجال تُصنع بالمواقف لا بالأعمار.

 

بدأ رحلته من أبسط المهام، يخدم بكل إخلاص، ويؤدي عمله بكل أمانة، مؤمنًا أن كل عملٍ شريف هو لبنة في بناء المستقبل. لم يستصغر يومًا أي مهمة، ولم يتذمر من قسوة البدايات، بل كان يرى في كل يوم عمل درسًا جديدًا، وفي كل تعب خطوةً تقوده إلى النجاح.

 

ورغم مشقة الحياة، لم يتوقف عن طلب العلم. كان يعمل نهارًا، ويجتهد في بناء نفسه، حتى أكمل تعليمه، وصقل خبراته، وأصبح نموذجًا للرجل الذي انتصر على الظروف، ولم يسمح لها أن تنتصر عليه.

 

على مدى ما يقارب أربعين عامًا في خدمة الوطن، تنقل بين المسؤوليات بثبات، حتى استحق عن جدارة أن يتولى منصب نائب مدير جمارك جدة. لم يصل إلى هذا الموقع بالمصادفة، بل وصل إليه بسيرة ناصعة، وعملٍ متقن، ونزاهةٍ شهد بها كل من عرفه.

 

لكن أعظم مناصبه لم يكن ذلك المنصب الإداري… بل المنصب الذي احتله في قلوب الناس.

 

ففي داخل أسرته الكبيرة، لم يكن مجرد عم، بل كان سندًا، وأبًا بعد الآباء، وملاذًا بعد الله لكل محتاج. ما من فردٍ من أفراد العائلة إلا وكان له معه موقفٌ من المعروف؛ هذا ساعده في الحصول على وظيفة، وذاك وقف معه في ضيقته، وآخر فتح له بابًا من أبواب الخير، وآخر منحه من وقته وخبرته ونصيحته. كان يرى نجاح أفراد عائلته نجاحًا له، ولم يكن يفرح بإنجازاته بقدر فرحه وهو يرى من حوله ينهضون ويحققون أحلامهم.

 

لقد آمن أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، وإنما فيما يمنح. ولذلك بقي عطاؤه ممتدًا، ويده ممدودة، وقلبه مفتوحًا للجميع، دون انتظار مقابل أو شكر.

 

إن قصة محمد بن خالد العسيري ليست حكاية موظفٍ تدرج في المناصب فحسب، بل هي قصة إنسانٍ صنع نفسه بنفسه، ثم كرّس ما صنعه لخدمة الآخرين. إنها قصة طفلٍ خرج من أبها في الثانية عشرة من عمره يحمل حلمًا صغيرًا، فعاد بعد رحلة عمر يحمل تاريخًا من الإنجازات، وسيرةً من الوفاء، وإرثًا من القيم سيبقى حيًا في ذاكرة كل من عرفه.

 

سلامٌ على كل خطوةٍ خطاها في سبيل لقمةٍ كريمة، وسلامٌ على كل تعبٍ تحمله ليصنع مستقبلًا مشرقًا، وسلامٌ على كل يدٍ امتدت بالخير للناس، حتى أصبح اسمه عنوانًا للعطاء، ورمزًا للوفاء، وقدوةً للأجيال.

 

فهنيئًا للوطن برجالٍ من طراز محمد بن خالد العسيري، وهنيئًا للعائلة بعمٍّ لم يكن عظيمًا بمنصبه، بل كان عظيمًا بأخلاقه، وإنسانيته، وأثره الذي سيظل باقيًا ما بقيت القلوب تذكر أهل الفضل.

شاهد أيضاً

الجوار عند العرب.. صفحة مشرقة من التاريخ الاجتماعي

بقلم: د. سعيد بن عبدالله بن علي آل جفشر يُعد الجوار من أسمى القيم التي …

اترك تعليقاً

şans casino |
vidobet |
vidobet |
vidobet güncel giriş |
vidobet giriş |
casinolevant |
casinolevant |
casinolevant |
vidobet giriş |
şans casino |
casinolevant giriş |
casino şans |
şans casino giriş |
casino levant |
casino şans |
casino şans |
boostaro |
casinolevant giriş |
şans casino giriş |
casinolevant giriş |
şanscasino |
vidobet |
vidobet giriş |
deneme bonusu veren siteler |
deneme bonusu veren siteler |
deneme bonusu veren siteler |
deneme bonusu veren siteler |
levant casino |
galyabet |
gorabet |
galyabet |
galyabet