الألقاب.. بين الادعاء والاستحقاق

د. سعيد بن عبدالله بن علي آل جفشر

سبق أن كتبت مقالًا بعنوان «الألقاب والأنساب.. بين الحقيقة والادعاء»، تناولت فيه ظاهرة الألقاب التي تُصنع أحيانًا في المجالس ووسائل التواصل، وتُمنح لمن لا تسندها أعمال ولا مواقف، وقد وجدت بعد نشر المقال أصداءً واسعة، واتصالات ورسائل كثيرة، عكست وعيًا مجتمعيًا يرفض المبالغة في صناعة الألقاب، ويمقت أن يدّعي الإنسان ما ليس له، أو يُنسب إليه ما لم يفعله، بل ربما تجاوز الأمر لدى بعضهم إلى ادعاء أنساب لا تمت إليهم بصلة.

وكنت قد أكدت أن الاعتراض ليس على اللقب في ذاته، ولا على من لقّبه الناس عن معرفة واستحقاق، حين يكون ذلك نتيجة قبول مجتمعي واسع، وشهادة صادقة من مجتمع عرف قدر الرجل وحقه، لا من فئة محدودة منتفعة تصنع حوله هالة زائفة وتبالغ في المدح والترويج.

فالألقاب الحقيقية لا يصنعها المصفقون، ولا تمنحها المجالس، بل تصنعها المواقف، ويثبتها الأثر، ويقر بها الناس دون طلب أو ادعاء.

ثم جاء خبر توقيع اتفاقيات لإنشاء وتجهيز سبعة مشروعات صحية تتجاوز قيمتها 85 مليون ريال، بدعم من أوقاف الشاكرين لخدمة المجتمع «أوقاف ملهي بن سلامة بن سعيدان وإخوانه»، ليقدم أمامنا صورة مختلفة تمامًا؛ صورة الإنسان الذي تتحدث أعماله عنه قبل أن يتحدث الناس.

هنا يكون الفخر بمعناه الحقيقي.

فالمعطي حقًا لا يعطي انتظارًا لمدح، ولا يمد يده بالخير مترقبًا لقبًا، ولا يجعل معروفه طريقًا إلى صدارة مجلس أو تصفيق جمهور. يعطي لأنه يؤمن أن للمال رسالة، وأن للمجتمع حقًا، وأن ما يبقى للإنسان هو أثره في حياة الآخرين.

وملهي بن سلامة بن سعيدان نموذج لرجل عرف عنه البذل والعطاء، بدءًا من الأقربين إليه، والأقربون أولى بالمعروف، مرورًا بقبيلته ومجتمعه، وصولًا إلى مشروعات يتسع نفعها لأبناء الوطن جميعًا، دون تمييز بين قريب وبعيد.

إن إنشاء مشروعات صحية بهذا الحجم ليس موقفًا عابرًا، ولا مناسبة تنتهي بانتهاء خبرها؛ بل أثر يبقى، ومريض يتلقى علاجًا، وأسرة تجد الرعاية، ومجتمع ينتفع، وأجيال قد لا تعرف يومًا اسم من أسهم في البناء، لكنها ستعرف أثر ما صنع.

وأضع القارئ الكريم أمام مقارنة واضحة بين صنفين من الناس: أولئك الذين يلهثون خلف الألقاب، ويتمسكون بأوصاف لا تمت إلى حقيقتهم بصلة، ويدّعون أعمالًا وأحسابًا، بل ربما أنسابًا لا تمت إليهم بصلة؛ وبين من يعمل بصمت، ويترك للآخرين الحديث عنه، فتتحدث أعماله قبل كلماته، وتشهد له مواقفه دون أن يزكي نفسه أو يطلب لقبًا يقترن باسمه.

الأول يبحث عن اللقب ويطارده، وربما أحاط نفسه بفئة منتفعة تجيد التصفيق وصناعة البطولات الوهمية وإطلاق الألقاب التي لا تسندها حقيقة؛ وكل من يقرأ هذا الكلام يدرك أثر هؤلاء السيئ في تضخيم الأشخاص، وصناعة صورة لا توافق الواقع، حتى يصبح اللقب أحيانًا أكبر من صاحبه.

أما الآخر فلا يبحث عن الألقاب، بل تبحث الألقاب عنه وتخطب وده، لأنها تجد في فعله معناها وفي أثره استحقاقها.

وأؤكد مرة أخرى أنني لا أعترض على لقب أطلقه مجتمع كامل على رجل عرف قدره وشهد بأثره، فذلك تقدير مستحق، وإنما الاعتراض على لقب تصنعه فئة محدودة لها مصالح، ثم تكرره حتى تحاول أن تحوله من مجاملة إلى حقيقة.

ولست أكتب هذا لقرب شخصي منه، ولا طلبًا لمصلحة، وإنما هي قراءة في أعمال سبقت الأقوال، وشهادة للموقف من حيث هو موقف يستحق أن يُذكر؛ تمامًا كما ننتقد من يطلب المجد بلا عمل، فمن الإنصاف أن نشيد بمن يصنع العمل ولا يطلب المجد.

الفخر الحقيقي ليس لقبًا يضعه الإنسان أمام اسمه، بل عمل يجعل الناس يضعون اسمه في موضع الفخر.

وهؤلاء هم الذين إذا لم يبحثوا عن الألقاب، بحثت الألقاب عنهم.

شاهد أيضاً

أنا و الساحرة

بقلم / سميه محمد  أزدحم المستشفى في تلك الليلة الغريبة التي كان الجميع يسمع أصوات …

اترك تعليقاً