
بقلم: نواف بن فالح الأسمري
مقدمة بين العراقة والطبيعة
يُعد وادي عياء الواقع في ديار بللسمر بمنطقة عسير واحداً من أعرق الأودية وأكثرها غنى بالتاريخ والطبيعة العذراء. فهو ليس مجرد مجرى مائي دائم أو موسمي فحسب، بل هو متحف مفتوح يروي قصص أمم سكنت المكان وتركت بصماتها شامخة بين الضفاف وقمم الجبال. غير أن ذاكرة المكان تحتفظ بحكايات وأحداث فاصلة، يبقى أبرزها ما جرى في عام 1376 هـ.
عام 1376 هـ: غضب السيل وعظمة البنيان
في ذلك العام التاريخي، شهد وادي عياء تقلباً جوياً عظيماً تمثل في هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة، نتجت عنها سيول جارفة هزت بطون الأودية.
دحر المزارع: لم تستطع المدرجات الزراعية الضفافية ولا المحاصيل التي تعب الأجداد في غرسها مقاومة طوفان المياه العارم، حيث اجتاحت السيول تلك الرقع الخضراء ودمرت الكثير من المزارع التي كانت تمثل شريان الحياة الاقتصادي ومصدر الرزق الأساسي لأهالي الوادي.
بقاء القصور على رؤوس الجبال: وفي مشهد يجسد عبقرية الإنسان المحلي وحكمته في اختيار مواقع البناء، بقيت القصور والحصون الحجرية المنيعة راسخة وشامخة على سفوح جبال الوادي وقممها. لم تنل منها أمواج السيول العاتية وبقيت كالتارخ الحي، شاهدةً على هندسة معمارية فريدة أُسست بحجارة الجبل ومزيّنة بحجر المرو الأبيض، لتتحمل قسوة الطبيعة وتقلبات الزمن.
دلالات صمود الحصون
إن بقاء تلك القصور والحصون شامخةً رغم تدمير السيول للمزارع في ذلك العام، يبرز عدة أمور هامة:
1. عبقرية الاختيار: دأب الأجداد على بناء مساكنهم وحصونهم على الأراضي المرتفعة والصخرية، تاركين السهول المنخفضة للزراعة، وهو ما حمى الأرواح والمباني من الكوارث الطبيعية.
2. متانة البناء: استُخدمت الحجارة المحلية الصلبة ومهارات البناء الدقيقة بطريقة جعلت هذه الحصون قادرة على مقاومة الرياح العاتية والسيول الهادرة لعقود طويلة.
3. إرادة البقاء: عُرف عن أهل تلك المنطقة الصلابة والقدرة على النهوض من جديد؛ فلم تهزمهم كارثة عام 1376 هـ، بل عادوا لترميم مزارعهم وإحياء أرضهم بعد انحسار السيول.
تبقى قصور وادي عياء وحصونه المعلقة على سفوح الجبال رمحاً في وجه الزمن، تروي للأجيال القادمة قصص الكفاح والصبر الذي سطره أجدادنا في عمق جبال عسير الأبيّة.”
عسير صحيفة عسير الإلكترونية