محمد بن سلمان.. وطنٌ يحنو على أبنائه

بقلم: د. سعيد بن عبدالله بن علي آل جفشر

تزخر الذاكرة العربية بالقصص والمواقف التي تناقلتها الأجيال، لما تحمله من قيم ومعانٍ إنسانية واجتماعية تعكس نظرة المجتمع إلى الكرامة، والوفاء، ونصرة الإنسان والوقوف معه. ومن بين تلك القصص، تبرز هذه الحكاية بما تحمله من معنى عميق يستحق التأمل والاستحضار:

 

اعتقل شيخُ قبيلةٍ رجلًا من إحدى القبائل البعيدة.

 

فلما بلغ الخبر قبيلته، لم تتأخر عنه ولم تتركه لمصيره، بل جاء شيوخها وأمراؤها وفرسانها في حشود كبيرة، يسألون عنه، ويطلبون فداءه أو الشفاعة فيه.

 

فنظر شيخ القبيلة إلى تلك الحشود الضخمة، وقد أثار اجتماعهم من أجل رجل واحد دهشته، وقال متعجبًا:

من هذا الرجل الذي جئتم جميعًا من أجله وللشفاعة فيه؟

 

فقالوا بصوت رجل واحد:

هو شيخنا أيها الشيخ!

 

فازداد عجب شيخ القبيلة وقال:

ولِمَ لم يخبرنا عن نفسه ويكشف لنا عن هويته؟

 

فقالوا:

أنِفَ أن يذل نفسه أمامك بذكر منصبه ومكانته بين قومه، وأراد أن يريك عزته بقومه، لا بما يقوله عن نفسه.

 

وحين رأى الشيخ ما للرجل من مكانة في قومه، وما أظهره قومه من وفاء له، أمر بإطلاقه على الفور معتذرًا.

 

ومضت الأيام، ثم بلغ شيخ القبيلة أن ذلك الرجل لم يكن شيخًا ولا أميرًا، وإنما كان راعي الإبل عند تلك القبائل.

 

وهنا عاد إليه العجب أشد من ذي قبل، فأرسل إليهم مستفسرًا ومستغربًا مما صنعوه: كيف اجتمع شيوخهم وأمراؤهم وفرسانهم، وكيف بذلوا جاههم ومكانتهم، من أجل رجل لم يكن سوى راعٍ لإبلهم؟

 

فجاءه الرد منهم بكلمات قليلة، لكنها كانت أبلغ من كثير من الخطب:

«لا شيخ فينا إن أُسِرَ راعينا».

وهنا تتجلى العبرة في معناها الإنساني الواضح؛ فتماسك المجتمع وقوته يظهران في حفظ الحقوق، وصون الكرامة، والاهتمام بكل أفراده، وبخاصة من يحتاج منهم إلى المساندة والعون. فالمجتمع المتراحم هو الذي يجد فيه المحتاج من يقف معه، والمدين من يعينه على قضاء دينه، وصاحب الحاجة من يسعى في تيسير شأنه، بما يعزز التكافل، ويقوي الروابط بين الناس، ويجعل كرامة الإنسان موضع عناية واهتمام.

ومن هذه الحكاية القديمة، بما تحمله من معنى إنساني عابر للزمن، ننتقل إلى واقعنا المعاصر؛ فالمعاني العظيمة لا يحدها عصر، والكرامة الإنسانية لا تتغير قيمتها بتغير الأزمنة والأمكنة. وكما رأت تلك القبيلة أن عزها لا يكتمل إذا أُسِرَ راعيها، فإن قوة المجتمع اليوم لا تكتمل إلا بقدرته على احتواء أضعف أفراده، والوقوف مع أصحاب الحاجة، وحفظ حقوقهم، ومد يد العون إليهم قبل أن تضيق بهم السبل.

فالعدالة ليست نصوصًا تُكتب فحسب، ولا أنظمة تُسن بمعزل عن أثرها في حياة الناس، وإنما قيمتها الحقيقية فيما يلمسه الإنسان من أثرها؛ وحفظ الحقوق لا يكتمل إلا حين يجد الضعيف من ينصفه، والمحتاج من يعينه، والمدين من يسهم في قضاء دينه، وصاحب الحاجة من يقف معه حتى تُقضى حاجته. وهنا تحديدًا تتجلى قيمة التكافل الحقيقي؛ حين يشعر الإنسان أن مجتمعه يراه، ويسمعه، ويعينه، ويحفظ له مكانته وكرامته.

وإذا كان ذلك هو ميزان المجتمعات المتماسكة، فإن من أبهى صور هذا المعنى في واقعنا السعودي ما تقوم به الدولة من عناية بالإنسان، وحفظٍ لمكانته، وفتحٍ للأبواب أمامه، مواطنًا كان أو مقيمًا. ولعل من أوضح الشواهد على هذا النهج ما نشاهده باستمرار من استقبال أمراء المناطق ونوابهم للمواطنين والمقيمين على حد سواء، والاستماع إلى مطالبهم وقضاياهم واحتياجاتهم، في صورة تعكس قرب القيادة والمسؤول من الناس، وتؤكد أن خدمة الإنسان وتلمس حاجاته تقعان في صميم المسؤولية.

ولست هنا أتحدث عن مشاهد سمعت عنها أو قرأت عنها فحسب، وإنما عن واقع أنا شاهد عيان عليه ومطلع على جانب منه في منطقة الباحة؛ من خلال ما أشاهده من استقبال صاحب السمو الملكي الأمير حسام بن سعود بن عبدالعزيز، أمير منطقة الباحة، وصاحب السمو الأمير فهد بن سعد بن عبدالله بن تركي آل سعود، نائب أمير منطقة الباحة – حفظهما الله – للمواطنين، والاستماع إليهم، والاهتمام بمطالبهم واحتياجاتهم. وهي مشاهد أراها تجسد هذا النهج الكريم واقعًا وممارسة، وتؤكد أن قرب المسؤول من المواطن ليس شعارًا يقال، وإنما سلوك يمارس ومسؤولية تؤدى.

وإذا كان هذا النهج حاضرًا في مناطق المملكة من خلال أمرائها ونوابهم، فإنه يتجلى في أعظم صوره وأوضحها حين نراه عند قمة هرم القيادة، في لقاءات صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله – بأبناء شعبه.

فمجالس سموه واستقبالاته لم تقتصر على أصحاب المعالي والفضيلة، أو كبار المسؤولين، أو مشايخ القبائل ووجهاء المجتمع، بل نرى فيها أفرادًا من المواطنين بمختلف فئاتهم؛ يستقبلهم، ويلتقي بهم، ويستمع إليهم، في صورة تحمل دلالة أعمق من مجرد اللقاء، وتؤكد أن المواطن، بعيدًا عن منصبه أو لقبه أو مكانته الاجتماعية، هو موضع عناية واهتمام، وأن قرب القيادة من الناس نهج راسخ لا تفرضه مناسبة، ولا تحكمه مكانة اجتماعية.

ولهذا فإن هذه المشاهد لا ينبغي أن تُقرأ على أنها مجرد بروتوكول أو صورة عابرة في مناسبة، بل بوصفها امتدادًا لنهج في الحكم يقوم على سماع الناس، وتلمس أحوالهم، والاقتراب من احتياجاتهم، وصون كرامتهم. فحين يكون باب القيادة مفتوحًا، وحين يجد المواطن أن صوته مسموع، وأن حاجته محل نظر واهتمام، فإن ذلك يبني الثقة، ويقوي التلاحم، ويرسخ في النفوس معنى الانتماء إلى وطن تكون العلاقة فيه بين القيادة والشعب قائمة على القرب والرعاية والوفاء.

ومن هنا أقول، من وجهة نظري، ومن وجهة نظر كل منصف وصادق وعادل: إنه يصعب أن نجد في عالم اليوم، باختلاف أممه ودوله وشعوبه وأعراقه، أسرةً مالكة أشد قربًا من شعبها، وتلمسًا لحاجاته، وحرصًا على كرامته، وسعيًا في قضاء حوائجه، من هذه الأسرة المالكة الكريمة التي منَّ الله على هذه البلاد بها.

وليس هذا القرب وليد اليوم، ولا هو سلوك مرتبط بمرحلة زمنية بعينها، وإنما هو امتداد تاريخي وإرث في الحكم توارثته هذه الأسرة الكريمة عبر أجيالها؛ فكان رجالها أمراء وأئمة وملوكًا، وتعاقبت فيهم مسؤولية الحكم ورعاية الناس عبر تاريخ ممتد منذ أن أسس جدهم مانع المريدي الدرعية عام 850هـ، ثم تعاقب أبناؤه وأحفاده على إمارتها، وصولًا إلى قيام الدولة السعودية الأولى، ثم امتداد هذا الإرث في الدول السعودية المتعاقبة، حتى المملكة العربية السعودية في حاضرها الزاهر.

ويتجلى هذا الإرث اليوم في نهج سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وفي قربه من أبناء شعبه؛ إذ يرى المواطن نفسه جزءًا عزيزًا من وطن يحنو عليه قادته، ويرعونه، ويحمونه، ويجعلون عزته وكرامته وطمأنينته في مقدمة مسؤولياتهم.

شاهد أيضاً

وطني الحبيب.. وطن القلوب

اللواء الركن م. الدكتور بندر بن عبد الله بن تركي آل سعود  يقول الأصمعي في حب الأوطان: (إذا أردت أن تعرف الوفاء، فانظر إلى حنين الإنسان إلى أوطانه). وقيل إن أشهر بيت شعر تناقلته العرب في حب الوطن والحنين إليه، وهذا الارتباط الوجداني الوثيق بمسقط الرأس ومراتع الصبا، الذي تجاوز حدَّ العشق ليبلغ الهيام، ويحسه الإنسان، غير أنه يعجز عن التعبير عنه مهما كان حظّه من الفصاحة والبلاغة والبيان، ذلكم هو ما أنشده أبو تمام من قديمٍ:  كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى  وحنينه أبداً لأول منزل  وفي تشبيه بديع رائع بليغ، يصوِّر الشاعر العباسي ابن الرومي، الوطن في قصيدته الشهيرة في الحنين إلى الوطن والدِّيار التي يقول في مطلعها: (ولي وطن آليت ألا أبيعه)، في شكل جسد يحتضن الروح:  فقد ألفته النَّفْسُ حتى كأنه  لها جسد إن بان غودرت هالكا  وحبَّب أوطان الرجال إليهمو  مآرب قضاها الشباب هنالكا  بل أبلغ من هذا كله وأصدق قيلاً، ما جاء في الآية الكريمة (66) من سورة النساء، إذ يقول الحق عزَّ و جلَّ: (و لو أَنَّا كتبنا عليهم أَنِ اقتلوا أنفسكم أَوِ اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم).. يقول المفسرون: في هذا دلالة على شدَّة وقع فراق الوطن وصعوبته على النَّفْس، حتى قرنه الله سبحانه وتعالى بالخروج عن الحياة؛ ومن أصدق من الله قيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً؟!.  وبالطبع، هذا كله عن الوطن من حيث هو بشكل عام، فيا ترى كيف يكون الحال إن كان هذا الوطن عزيزاً غالياً ليس مثله في الدنيا وطن، حبيباً.. وطناً للقلوب؟! فقطعاً كلنا نحفظ ما جاء في الآية الكريمة (37) من سورة إبراهيم عليه السلام، التي دعا فيها أبو الأنبياء رَبَّه سبحانه وتعالى، أن يحشد قلوب الناس بحب ذريته والحنين إلى موطنهم: (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم). ويستجيب الله المنعم الوهَّاب الدعاء، وها هم اليوم ما بين مليارين ونصف المليار من المسلمين حيثما كانوا، من أدنى الأرض إلى أقصاها، يكاد قلبهم يخرج من صدرهم، وتتمزق روحهم شوقاً إلى الدِّيار المقدسة في هذه البلاد الطيبة الطاهرة المباركة بمكة المكرمة والمدينة المنورة، وكم تهفو تلك الأرواح، وتتوق تلك القلوب، وتشرئب تلك الأعناق، للطواف بالبيت العتيق، والصلاة خلف المقام، والسعي بين الصفا والمروة، والتَّضلع من زمزم، والصلاة في مسجد الخيف، والمبيت بمنىً، والصلاة في مسجد نمرة، والوقوف بعرفة، والابتهال إلى الله العلي القدير الكريم عند المشعر الحرام، ورمي الجمرات، وزيارة المسجد النَّبوي الشَّريف والصلاة فيه، والسلام على خير الأنام، عليه أتم الصلاة وأزكي السلام.. حتى إذا حانت ساعة الوداع، هَفَت القلوب، واشتد البكاء والنحيب، فغادر الحجاج والمعتمرون والزوَّار والسيّاح، الدِّيار المقدسة بأجسادهم، تاركين قلوبهم خلفهم هاهنا في وطن القلوب، تحوم حول المكان.  أجل، وطننا العزيز الغالي هذا، الذي ليس مثله في الدنيا وطن، هو وطن القلوب بامتياز، الذي لا تنفك قلوب المسلمين وكثيرون حتى من غيرهم، ممن عملوا فيه وعاشوا بين ظهراني أهله، واستمتعوا بخيراته الغزيرة وأمنه الوارف، وطيب معشر مواطنيه، ثم اضطرتهم ظروفهم لمغادرته، لا تنفك قلوب هؤلاء وأولئك كلهم تهفو إليه حائمة حوله، متطلعة دوماً للعودة إليه كلما غادرته.  أجل، إن وطننا هذا هو وطن القلوب بامتياز، الذي وحَّد مؤسسه الملك عبد العزيز آل سعود، قلوب أبنائه على قلب رجل واحد، قبل أن يلم شعثه ويوحِّد جغرافيته، كما يؤكد دوماً خادم الحرمين الشَّريفين، سيِّدي الوالد المكرَّم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، قائد قافلة خيرنا القاصدة اليوم إلى الأبد إن شاء الله، مدوَّنة تاريخنا العريق، ومستودع إرثنا الحضاري والثقافي، ومن أعرف منَّا اليوم بهذا الإرث العظيم غير مقامه السَّامي الكريم؟!.  أجل، إنه وطن القلوب الذي كان أول قرار فيه يتخذه مؤسسه الملك عبد العزيز آل سعود، أن جعل دستوره: كتاب الله عزَّ و جلَّ وسُنَّة رسوله الكريم عليه أتم الصلاة وأزكى التسليم. ويقتفي الأبناء البررة أثر الوالد المؤسس، فتؤكد المادة السابعة من نظامه الأساسي للحكم اليوم: (يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سُلْطته من كتاب الله تعالى، وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة)، ليس هذا فحسب، بل إن الأمر سيستمر كذلك إلى الأبد إن شاء الله، لن نحيد عنه قيد أنملة، كما يؤكد قائدنا اليوم المليك المفدى سلمان، شبيه المؤسس خَلْقاً وخُلْقاً، وعزماً وحزماً وحسماً. وتحضرني هنا مقولة مباشرة رائعة حاسمة قاطعة، لأخي العزيز الغالي، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، رئيس مجلس الوزراء، ولي العهد القوي بالله الأمين، في حديث له، مؤكداً استمرار دولة الرسالة على النهج نفسه الذي أرساه المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود منذ قرن و ربع القرن، عند بزوغ أول فجر إثر استعادته الرياض في الخامس من شوال 1319، الموافق للخامس عشر من يناير 1902، في ملحمة الرياض الشهيرة، التي صَوَّرها بولس سلامة في رائعته (ملحمة عيد الرياض)، إذ يؤكد سموه الكريم: (دستورنا القرآن.. كان.. والآن.. وسيظل إلى الأبد إن شاء الله).  وفي أول قصيدة له في مدح الملك عبد العزيز، أنشدها أمامه في السابع عشر من صفر 1345، الموافق لليوم السابع والعشرين من أغسطس 1926، جسَّد الشاعر المبدع أحمد بن إبراهيم الغزاوي، (شاعر الملك عبد العزيز) هذا المفهوم مخاطباً المؤسس:  …

اترك تعليقاً