فضيلة الشيخ صالح الزهراني رجلُ العلم والتربية والدعوة 

بقلم/ خالد بن محمد الأنصاري

🖋️هناك رجالٌ لا تختصرهم وظيفة ، ولا تحيط بهم صفة واحدة ؛ لأن عطاءهم يتوزع في ميادين متعددة ، فتجدهم في مجالس العلم معلّمين ، وفي ميادين الدعوة موجهين ، وبين طلابهم مربين ، وفي مجتمعاتهم مصلحين ، وبين أهلهم وأرحامهم أوفياء .

ومن هؤلاء والدنا فضيلة الشيخ صالح بن يوسف الزهراني ، الذي جمع بين العلم والتربية والدعوة ، وبين الحزم في الإدارة والرحمة في التعامل ، وبين خدمة طلاب العلم ، والقيام على شؤون أسرته ، فضلًا عن سعيه في إصلاح ذات البين ، ووقوفه إلى جانب الفقراء والمحتاجين ، وحضوره في ميادين الدعوة والخطابة والإفتاء .

إنها شخصية تتعدد جوانبها ، بتعدد أنشطتها الدعوية والعلمية ، لكن يجمعها خُلُق واحد: حب الخير للناس ، والسعي في نفعهم وتعليمهم ودعوتهم ، والحديث عن شيخنا – حفظه الله – ذو شجون ، وأترك جزءاً منه لمقالة أخرى بعنوان “ذكرياتي في دار الحديث المكية” وسأتحدث عنه في هذه المقالة من عدة جوانب أجملها في الآتي :

 

🔹رجل الإدارة والعلم :

من أبرز المحطات في مسيرته العلمية والتربوية ، إدارته لدار الحديث المكية التابعة للجامعة الإسلامية ، وهي مسؤولية تربوية وإدارية ، تحتاج إلى شخصية تجمع بين قوة القرار وحسن التعامل ، وبين المحافظة على الأنظمة ومراعاة أحوال طلاب العلم .

وقد كان في إدارته حريصًا على أداء الدار ، رسالتها العلمية والتربوية ، مدركًا أن المؤسسات العلمية لا تقوم بالأنظمة والإجراءات وحدها ، وإنما تقوم كذلك بالقدوة ، وحسن التربية ، والرعاية ، والمتابعة .

فالحزم عنده لم يكن قسوة ، والإدارة لم تكن مجرد ممارسة للسلطة ؛ بل كانت مسؤولية وأمانة ، يرى من خلالها الطالب مشروع عالم وداعية ، فيحرص على مستقبله ، ويتابع مسيرته ، ويعينه على تجاوز ما يعترض طريقه ؛ وقد لمست منه شخصياً تلك الجوانب أثناء دراستي في دار الحديث ، من تشجيع على الخطابة ، وتحفيز على الكتابة ، وحرص على الطلب .

 

🔸أسفارٌ جمعتنا .. وذكرياتٌ من مجالس العلم:

ومن الذكريات التي أعتز بها ، سفري مع الشيخ صالح لحضور عدد من الفعاليات الثقافية (المؤتمرات – والندوات – والمحاضرات ) التي تقيمها الجامعة الإسلامية ، ومن ضمنها مؤتمر الأوقاف ، ومؤتمر اللغة العربية ، ومحاضرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله – عن التاريخ ؛ وسبق أن كتبت عنها عدة مقالات في كتابي “مداد قلم” .

وكانت تلك الأسفار ، فرصة لمعايشة الشيخ عن قرب ، والوقوف على جانب من شخصيته المتواضعة ، بعيدًا عن أجواء العمل الرسمي ، ومجالس التدريس ، وففي السفر تظهر معادن الرجال ، وتتكشف أخلاقهم في المواقف اليومية ، وتبقى التفاصيل الصغيرة أحيانًا أبلغ من الكلمات الكبيرة .

وقد كان من الجميل في تلك الرحلات ؛ أن أرى الشيخ في صورته الإنسانية والتربوية ؛ عالمًا يحمل همّ العلم ، وداعيةً يستشعر مسؤوليته ، ومربيًا يحرص على من معه ، ويأنس بمجالس أهل العلم ، ويهتم باللقاءات التي تجمع العلماء ، وطلاب العلم والمختصين .

ولقد بقيت تلك الأسفار في الذاكرة ، لا بوصفها رحلات إلى مؤتمرات ومحاضرات وندوات فقط ، وإنما بوصفها محطات علمية وتربوية وإنسانية ، تعلمت منها الكثير ، وكان لصحبة الشيخ فيها أثر لا تنساه الذاكرة .

 

🔹خطيبٌ مفوّه .. وصاحب رسالة:

ومن أبرز جوانب شخصية شيخنا الشيخ صالح الزهراني – حفظه الله – قدرته على الخطابة والتأثير ؛ فهو خطيب مفوّه ، يمتلك أدوات الخطاب ، ويحسن اختيار الموضوع ، ويجمع في موعظته بين قوة البيان ، ووضوح الفكرة ، واستحضار حاجة الناس .

وقد حضرت له عدة خطب قديماً بجامع “بريك السفياني” بحي الملاوي بمكة ، ولم تكن خطبته مجرد كلمات مرتبة تلقى على المنبر ، وإنما كانت تحمل رسالة وغاية ؛ فهو حين يخطب ، لا يريد أن يسمع الناس فقط ، بل يريد أن يصل بهم إلى معنى ، وأن يحرك فيهم إيمانًا ، أو يصحح مفهومًا ، أو يحث على خيّر وفضيلة ، أو يحذر من خطأ ومعصية .

وهذه هي الخطبة التي تترك أثرها ؛ حين يشعر المستمع أن الخطيب يخاطب عقله وقلبه معًا ، وأن الكلمات التي يسمعها ليست مجرد محفوظات ، وإنما هي نابعة من علم وتجربة ، وإحساس بمسؤولية الكلمة .

وكانت مواعظه تحمل ذلك النفس التربوي ؛ الذي يميز حديث المربي ؛ فلا يغلب جانب الوعظ ، على جانب الحكمة ، ولا جانب الترغيب ، على جانب التوجيه ، بل يقدم للناس ما يصلح به دينهم ودنياهم .

 

🔸في رحاب الدعوة:

ولم يحصر شيخنا الشيخ صالح عطاءه في مجال التعليم ، بل كان حاضرًا في ميادين الدعوة إلى الله تعالى ، مشاركًا في المخيمات الدعوية ؛ التي كانت تقيمها وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف ، والدعوة والإرشاد للحجاج في المشاعر المقدسة .

وفي تلك المواطن المباركة ، حيث تجتمع قلوب المسلمين من أقطار شتى ، كان يقوم برسالته الدعوية ، مستشعرًا عظم مسؤولية خدمة ضيوف الرحمن ، وإرشادهم وتعليمهم ، وتقديم النصح والتوجيه لهم ، بالحكمة والموعظة الحسنة .

كما شارك في برنامج “الفتاوى” بالتوعية الإسلامية ، وبالحرم المكي الشريف ، وهو مجال يحتاج إلى رسوخ في العلم ، وبصيرة في الفتوى ، ودقة في فهم مسائل الناس وأحوالهم .

فالفتوى أمانة ، والعالم فيها لا يكتفي بمعرفة الحكم ، وإنما يحتاج إلى فقه الواقع ، وحسن تنزيل الحكم على النازلة ، ومراعاة أحوال المستفتي .

 

🔹مكتب الجاليات .. علم ودعوةٌ :

ومن الميادين المهمة في مسيرته الدعوية ، دوره في إدارة مكتب الجاليات بمكة المكرمة ، حيث تبرز أهمية العمل الدعوي في الوصول إلى المسلمين ؛ من مختلف الجنسيات واللغات والثقافات .

وكان هذا الميدان يحتاج إلى نفس دعوي واسع ، وقدرة على التعامل مع اختلاف البيئات والألسنة ، وإدراك أن الدعوة إلى الله ، تقوم على الحكمة ، وحسن التواصل ، وإيصال الرسالة ، بما يناسب المخاطب .

وفي مكة المكرمة على وجه الخصوص ، يكتسب العمل الدعوي بين الجاليات أهمية مضاعفة ؛ إذ تلتقي فيها شعوب متعددة ، ويأتي المسلمون إليها من أنحاء العالم ، فتكون فرصة عظيمة للتعليم والتوجيه ، وتعزيز معاني الإسلام الصحيحة .

وهنا يظهر دور شيخنا الداعية والذي لا يكتفي بالحديث عن الدعوة ، بل يشارك في إدارتها وتنظيمها ، ويعمل على إيصال رسالتها ، إلى شرائح واسعة من الناس .

 

🔸دعوةٌ تتجاوز المكان :

وامتد نشاط شيخنا الدعوي إلى عدد من المناطق في المملكة ولا سيما المنطقة الجنوبية ، وكذلك في الخارج في عدة دول إسلامية ؛ ولا سيما في أفريقيا ، فكان يحمل رسالة العلم والدعوة ، ويسهم في نشر الخير والتعليم والتوجيه .

وهكذا لم تكن الدعوة عنده مرتبطة بمكان دون مكان ، بل كان يرى أن العلم رسالة ، وأن الداعية ينبغي أن يصل إلى الناس ، حيث يحتاجون إليه ، وأن يبذل من علمه ووقته وجهده ؛ ما يستطيع في سبيل نفعهم .

 

🔹المربي الذي يسكن طلابه قلبه:

ومن أجمل ما يُذكر في شخصية شيخنا الشيخ صالح الزهراني عنايته بأبنائه الطلاب ؛ فلم تكن علاقته بهم علاقة معلّم بطلاب ، تنتهي بانتهاء الدرس ، بل كان يشعر تجاههم بمسؤولية المربي .

وكان يراعي أبناءه الطلاب ، ويحرص عليهم ، ويتابع أحوالهم ، ويرى في كل طالب مستقبلًا ينبغي أن يُبنى ، وطموحًا يحتاج إلى من يشجعه ، وشخصية تحتاج إلى من يوجهها ويرعاها ، وكان له أثر كبير في بداية مسيرتي العلمية .

وهذه هي التربية التي تبقى آثارها ؛ فالطالب قد ينسى بعض ما تلقاه أثناء الدراسة من المعلومات ، لكنه لا ينسى معلمه الذي وقف إلى جانبه ، أو كلمة شجعته ، أو موقفًا نصحه فيه ، أو يدًا امتدت إليه حين احتاج إليها .

 

🔸إصلاح ذات البين .. وجمعٌ للقلوب:

ومن الجوانب المضيئة في شخصية شيخنا الشيخ صالح – حفظه الله – سعيه في إصلاح ذات البين ، وتقريب وجهات النظر بين المتخاصمين ، والسعي في إنهاء الخلافات ، وإعادة الوئام إلى النفوس .

وهذا باب عظيم من أبواب الخير ؛ لأن المصلح بين الناس لا يصلح كلمات عابرة فقط ، بل قد يعيد أسرة إلى استقرارها ، أو يرد صلة رحم انقطعت ، أو يحول دون اتساع خلاف ، كان يمكن أن يستفحل .

وشيخنا يدرك أن الإصلاح يحتاج إلى حكمة وصبر ، وإلى كلمة صادقة ، وقلب يريد الخير للطرفين ، فلا ينتصر لطرف على حساب طرف ، وإنما يبحث عن الحق ، والصلح ، وجمع الكلمة .

 

🔹مع الفقراء والمحتاجين .. عطاءٌ لا يعرف الضجيج:

وإن من أبواب الخير التي عُرف بها الشيخ كذلك ، مساعدة الفقراء والمحتاجين ، والوقوف إلى جانب من ألمّت بهم الحاجة .

فكان يتلمس حاجات الناس ، ويعين من يستطيع إعانته ، ويسعى في تفريج الكربات ، مؤمنًا بأن خدمة الناس من أجلّ أبواب البر ، وأن العلم إذا لم يثمر رحمةً وإحسانًا ؛ فلا تزال ثماره ناقصة .

وليس أعظم من أن يشعر المحتاج أن له في مجتمعه أخًا يقف إلى جانبه ، ولا أجمل من معروف يُقدّم ، بعيدًا عن الأضواء ، لا يبتغي صاحبه منه إلا ما عند الله عزوجل .

وهكذا كان شيخنا – حفظه الله – يرى أن الدعوة ليست منبرًا فحسب ، وأن خدمة الإسلام لا تكون بالكلمة وحدها ؛ بل تكون أيضًا بإعانة محتاج ، وتفريج كربة ، وإصلاح بين متخاصمين ، وإدخال السرور على قلب مسلم .

 

🔸الأسرة .. الوفاء الذي لا يغيب:

وإذا كان شيخنا – حفظه الله – قد حمل همّ العلم والدعوة وطلابه ، فإنه لم يغفل عن أسرته وأرحامه .

فقد كان حريصًا على جمع أبناء إخوته ، ولمّ شمل أسرته ، وتقوية أواصر القربى ، مؤمنًا بأن صلة الرحم ليست مناسبة موسمية ، وإنما خلقٌ ومسؤولية ووفاء .

وكان اجتماع الأسرة عنده أكثر من لقاء عابر ؛ كان فرصة لتجديد المحبة ، وتقوية الروابط ، وتعاهد الأرحام ، وإبقاء جسور التواصل قائمة بين أبناء الأسرة .

 

🔹صورةٌ متكاملة لرجلٍ واحد:

وحين نجمع هذه الصفات والمواقف ، تظهر لنا صورة شيخنا الشيخ صالح الزهراني في أبعادها المتعددة:

 • عالمًا في مجالس العلم .

 • ومربيًا بين طلابه .

 • وداعيةً في ميادين الدعوة .

 • ومفتيًا في رحاب الحرم .

 • وخطيبًا مفوهًا يحمل رسالة .

 • وإداريًا حازمًا في دار الحديث .

 • وداعيًا إلى الله في مكتب الجاليات .

 • ومصلحًا بين المتخاصمين .

 • ومعينًا للفقراء والمحتاجين .

 • وواصلًا للرحم .

 • وحريصًا على جمع الأسرة .

وهنا تكمن قيمة الرجال ؛ إذ لا تقاس مكانتهم بكثرة ما قيل فيهم ، وإنما بما تركوه من أثر في حياة من حولهم .

فشيخنا الشيخ صالح الزهراني – حفظه الله – لم يكن العلم عنده مجرد معلومات تُحفظ ، ولا الدعوة كلمات تُقال ، ولا التربية دروسًا تلقى ؛ بل كان العلم سلوكًا ، والدعوة عملًا ، والتربية مسؤولية ، والإصلاح رسالة ، والإحسان خلقًا .

 

🔸أثرٌ يبقى :

إن أجمل ما يتركه الإنسان بعده ، في هذه الحياة ؛ ليس المال ، ولا المناصب ، وإنما الأثر الطيب .

أثرٌ في طالب علم أصبح نافعًا لأمته ، وأثرٌ في أسرة اجتمعت بعد تفرق ، وأثرٌ في متخاصمين عاد بينهما الوئام ، وأثرٌ في محتاج وجد يدًا تمتد إليه ، وأثرٌ في إنسان سمع كلمة هداية فغيّرت شيئًا في حياته .

وتلك آثار لا تُقاس بالأرقام ، ولا تُحفظ في سجلات ، لكنها تبقى في القلوب والذاكرة ، ويجري أجرها لصاحبها ما بقي نفعها .

إن الحديث عن والدنا وشيخنا الشيخ صالح الزهراني ، هو حديث ذو شجون ؛ حديثٌ عن رجل معطاء ، جعل من العلم طريقًا إلى التربية ، ومن الدعوة طريقًا إلى الإصلاح ، ومن المكانة العلمية بابًا لخدمة الناس .

وأنا إذ أكتب هذه الكلمات ، لا أكتب عن شخصية قرأت عنها ، بل عن رجل عرفته عن قرب ، وجمعتني به صحبة ومناسبات وأسفار ومجالس ؛ بها العديد من المواقف ، ورأيت في بعض تلك المواقف ، جوانب من شخصيته التي اتسمت بالكرم والتواضع والزهد والعبادة ، لا تظهر إلا لمن عرفه عن قرب .

ولعل من أجمل ما يبقى من صحبة أهل العلم ، أن الإنسان لا يحمل من مجالسهم الفوائد العلمية فقط ، بل يحمل معها ذكريات ، ومواقف ، وأخلاقًا وتجارب ، ومعانيَ تبقى راسخة في النفس .

فجزى الله والدنا وشيخنا الشيخ صالح الزهراني عن العلم وأهله ، وعن طلابه ومجتمعه ، وعن الفقراء والمحتاجين ، وعن كل من سعى في إصلاح ذات البين ، خير الجزاء .

وبارك الله في علمه وعمله ، وأدام عليه لباس الصحة والعافية ، وجعل ما قدمه من علم ودعوة ، وإصلاح وإحسان ، في موازين حسناته ، وكتب له أجر كل طالب علم انتفع ، وكل قلب أصلح ، وكل كربة فُرّجت ، وكل محتاج أُعين ، وكل رحم وُصل .

 

🔘 إضـــــــ💡ــــــــاءة:

فهكذا يكون رجل العلم والتربية والدعوة ؛ لا يعيش لنفسه ، وإنما يعيش بما ينفع الناس ، ويبقى أثره شاهدًا على صدق رسالته .

 

✍️ خالد بن محمد الأنصاري 

٢٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

١٠ سبتمبر ٢٠٢٦م

بمكة بلد الله الحرام

 

شاهد أيضاً

في المعدة خلوة لا يملؤها إلا الحلوى"..:

ما رأي العلم؟ بين طرافة الموروث الشعبي وحقيقة “الشبع الحسي”

بقلم : الدكتوره حليمه عسيري كم مرة انتهيتِ من وجبة دسمة وشعرتِ بالامتلاء التام، ثم …

اترك تعليقاً