
بقلم الأستاذ.عبدالرحمن محمد ال مريح
غرب أبها، حيث ينتهي إسفلت الأمير خالد الفيصل ويبدأ الكلام الحقيقي للجبل، هناك تقع قريتي.
ثم خلفه الامير تركي بن طلال و ازدهرت اكثر و اكثر
لا تضعها الخرائط في قلبك، يضعها الضباب.
*العلاية – بني مغيد.*
تسع دقائق بسيارتك من إمارة عسير، وتسع سنين بقلبك حتى تفهمها. هي أول قرية تقول لك: قف، أبها انتهت كمدينة، وبدأت عسير كحكاية.
نحن من بني مغيد، كبار عسير السراة. آل الوازع ومغيد الوطأ. بيوتنا من حجر، لكن قلوبنا من غدير. ومن أسمائنا تعرفنا، العلاية، لأننا لم نرض إلا بالعلو سكناً.
فيها قريتان، واحدة تموت وواحدة تحيا، وكأنها تعلمك درس الوفاء.
القرية القديمة، لا تزال قائمة إلى الآن. بيوتها من الطين والحجر المرصوص، نوافذها ضيقة كعيون الحذر، وأبوابها منخفضة حتى تدخل منحنياً، احتراماً لمن سكن قبل. مسجدها الأثري لا يزال يصلي، حجارته حافظة لتكبيرات جدي وجدي جدي. تمر بجانبه فتسمع الصمت يقرأ الفاتحة.
والقرية الجديدة، بيضاء، حديثة، بطرازات عمرانية تليق بأبناء خادم الحرمين، لكنها لم تنس القديمة، بل بنت بجانبها، كالابن البار الذي لا يترك أباه.
لكن سر العلاية ليس في حجرها، سرها في مائها.
*شلالات المحتطبة وغديرها.*
لو سألت أي عسيري عن أجمل شلال في عسير، سيقول لك المحتطبة دون تردد. وهو في حجرنا، في وادي العلاية.
في الصيف، إذا اشتد الحر في تهامة، وهرب الناس إلى السودة، نحن لا نهرب، ننزل.
تسمع خريره قبل أن تراه. صوت أبيض يقطع خضرة الوادي. ثم تراه، ماء ينزل من السماء، ليس من السحاب، من الجبل نفسه، كأن الجبل يبكي فرحاً.
ثلاثة شلالات تتعانق، تنزل على صخور سوداء ملساء صقلها الزمن، ثم تجتمع في *الغدير*.
الغدير يا طويل العمر ليس بركة ماء، الغدير هو ذاكرة القرية.
ماء راكد صافٍ كعين، بارد حتى في عز أغسطس، يرى وجهك فيه. كنا صغاراً نجيه حفاة، نشرب منه بكفوفنا، ونغسل فيه أقدامنا بعد يوم في الحقول. واليوم، كبارنا يجلسون حوله، يشربون الشاي، ويحكون عن سنة الجوع وسنة المطر، والغدير يسمع ولا ينسى.
في العلاية، الماء لا يمشي ليذهب، الماء يمشي ليبقى. الشلال يصب في الغدير، والغدير يسقي الوادي، والوادي يسقي العلاية، والعلاية تسقيك أنت إذا جيتها ضيفاً.
تعال في الصباح بعد مطر الليل، ستجد الضباب نائماً فوق الغدير كغطاء أبيض، والشلال يصب من تحته، ورائحة الريحان البري والعتم والعرعر تملأ صدرك، وتفهم لماذا لم نترك هذه القرية رغم أن أبها على بعد خطوتين.
نحن لسنا قرية بجانب أبها.
نحن أبها حين كانت قرية.
هذه هي العلاية بني مغيد، غرب أبها، حيث الشلال لا يزال يذكر اسم جدي، والغدير لا يزال يحفظ صورتي وأنا صغير، أطارد قبعتي الصفراء.
حياك الله في العلاية، ماء وكرم وتاريخ.

عسير صحيفة عسير الإلكترونية