
بقلم/ د. سعيد عبيد
يمثل يوم التأسيس محطة تاريخية راسخة في ذاكرة الوطن، نستحضر فيها بدايات البناء الأولى، ونستلهم منها القيم العظيمة والرؤية الثاقبة والحكمة السياسية التي أرسى دعائمها الإمام محمد بن سعود قبل ثلاثة قرون، في مرحلة كانت تعاني فيها الجزيرة العربية من الانقسامات القبلية والصراعات الداخلية، إلى جانب التحديات الإقليمية المحيطة بها؛ ليكون التأسيس نقطة تحول نحو الوحدة والاستقرار، وبناء كيان قوي قائم على العدل والإصلاح والترابط الاجتماعي.
ومنذ ذلك الحين نشأت علاقة متينة بين القيادة والمواطنين قائمة على الولاء والتلاحم، مما أسهم في تعزيز الوحدة الوطنية وصمود الدولة السعودية أمام مختلف التحديات، وترسيخ دعائم النمو والتطور عبر القرون.
وبرزت مرحلة مفصلية في تاريخ المملكة بقيادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الذي واصل مسيرة البناء والتوحيد، فتمكن بحنكته السياسية وعزيمته الراسخة من توحيد أرجاء الجزيرة العربية تحت راية واحدة، مؤسسا المملكة العربية السعودية عام 1932م على مبادئ راسخة من العدل والأمن والاستقرار. واليوم يدفعنا هذا الإرث العريق إلى مواصلة المسيرة بروح العزم والإصرار لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 الطموحة.
وامتد دور المملكة إلى ما هو أبعد من حدودها الجغرافية، ليشمل الساحتين الإقليمية والدولية، حيث أدت دور محوري في تعزيز الاستقرار عبر مبادراتها الدبلوماسية وجهودها في حل النزاعات، إلى جانب دعمها للتنمية في الدول الشقيقة والصديقة. كما تميزت بجهودها الإنسانية في تقديم المساعدات السخية للاجئين والمحتاجين حول العالم من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وأسهمت في إعادة إعمار المناطق المتضررة، تأكيدا لالتزامها بقيم العطاء والتضامن التي قامت عليها الدولة.
وفي إطار تطلعها إلى المستقبل حرصت المملكة على تبني التحول الرقمي وتسخير التقنيات الحديثة لتعزيز الكفاءة والإنتاجية في مختلف القطاعات، بدءاً من الخدمات الحكومية وصولاً إلى الاقتصاد والصناعة.
وقد شهدت المملكة تقدم ملحوظ في مجالات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، مما أسهم في تحسين جودة الحياة وتمكين الشركات الناشئة وجذب الاستثمارات العالمية، وترسيخ مكانتها ضمن الدول الرائدة في مجال التقنية.
وعلى الصعيد الرياضي تمثل استضافة المملكة لبطولة كأس العالم 2034 نقلة نوعية في مسيرتها الرياضية والتنموية، تضاف إلى سجلها الحافل في تنظيم الفعاليات العالمية الكبرى مثل سباقات الفورمولا 1، وبطولتي كأس السوبر الإيطالي وكأس السوبر الإسباني، إلى جانب استضافة كأس آسيا 2027، وغيرها من الأحداث الرياضية العالمية، مما يعزز حضورها كوجهة رياضية عالمية.
ويشكل يوم التأسيس فرصة متجددة للاحتفاء بالتراث الوطني من خلال الفعاليات الثقافية والندوات التاريخية والعروض الشعبية التي تسلط الضوء على مظاهر الحياة في الدولة السعودية الأولى، من الأزياء التقليدية إلى الفنون والأسواق التراثية.
وتعكس هذه الاحتفالات مسيرة التقدم التي شهدتها المملكة منذ لحظة التأسيس وحتى عصرها الحديث في ظل قيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.
يوم التأسيس تجسيد للعمق التاريخي والبعد الحضاري للدولة السعودية، وتجديد لمعاني الولاء والانتماء، ورسالة للعالم بأن هذا الوطن يحمل إرث عريق ورؤية طموحة للمستقبل.
وفيه يستحضر السعوديون قصص البطولات التي صنعت حاضرهم، ويستلهمون منها الإصرار على بناء غد أكثر ازدهار وعطاء.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية