
بقلم الدكتورة / جملاء الغامدي
يخطئ كثير من الناس حين يظنون أن التقاعد هو نهاية الطريق، وأنه محطة خفوت بعد صخب العطاء، أو مرحلة انتظار بلا معنى. بل إن بعضهم، ما إن يطوي صفحة العمل، حتى يشعر وكأن الحياة قد انسحبت من بين يديه، وأن الأيام القادمة مجرد فراغ ممتد. وهذه النظرة ليست إلا وهماً صنعه الخوف من المجهول، لا حقيقة الحياة.
فالتقاعد، في جوهره، ليس نهاية… بل بداية مختلفة.
حين نتأمل مسيرة الإنسان، نجد أنه ينتقل بين مراحل متعددة: مرحلة الدراسة، ثم العمل، ثم الزواج، فالأبوة والأمومة، وكل مرحلة منها يُعد لها العدة، ويهيئ لها النفس والعقل والمال. فلماذا يُترك التقاعد للصدفة؟ ولماذا لا يُستقبل كما تُستقبل أعظم التحولات في الحياة؟
إن التقاعد مرحلة تستحق التخطيط… بل تستحق الشغف.
هي المرحلة الوحيدة التي تعود فيها الحياة إليك خالصة، بلا التزامات ضاغطة، ولا جداول صارمة، ولا سباق مع الوقت. إنها المرحلة التي تصبح فيها أنت القائد، لا لعملٍ أو مؤسسة، بل لحياتك أنت. تقود وقتك، وتعيد تشكيل ذاتك، وتمنح روحك المساحة التي طالما انتظرتها.
وهنا يظهر الفرق بين من يعيش التقاعد كحالة، ومن يعيشه كفن.
فـفن التقاعد هو أن تحوّل هذه المرحلة إلى مساحة اكتشاف، لا إلى مساحة فراغ. أن تعيد إحياء شغفك القديم، أو تخلق شغفاً جديداً. أن تفتح الأدراج المغلقة في داخلك، فتجد فيها مواهب مؤجلة، وأحلاماً صامتة. كم من متقاعد اكتشف أنه كاتب بارع، أو رسام مبدع، أو شاعر يحمل بين كلماته حياة! هذه المواهب لم تولد فجأة، بل كانت كامنة، لكنها أُجلت تحت ضغط العمل وانشغالات الحياة.
التقاعد هو لحظة رفع الستار.
هو الفرصة التي تقول لك الحياة فيها: “الآن… عش لنفسك.”
ومن يتقن هذا الفن، لا يكتفي بملء وقته، بل يصنع معنى جديداً لوجوده. يشارك بخبرته، ويمنح من حوله حكمته، ويصنع أثراً لا يقل قيمة عن سنوات عمله السابقة، بل ربما يفوقها عمقاً وصدقاً.
أما من يستسلم لفكرة النهاية، فإنه يفقد أجمل ما في هذه المرحلة: الحرية.
حرية أن تختار، أن تتعلم، أن تبدع، أن تعيش بإيقاعك الخاص.
إن التقاعد ليس انسحاباً من الحياة، بل انتقال إلى مستوى أعمق منها. هو فرصة لإعادة تعريف الذات، ولإعادة كتابة القصة، ولكن هذه المرة بقلم أكثر نضجاً ووعياً.
فاجعل من تقاعدك فناً…
ولا تسمح له أن يكون مجرد عنوان.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية