في الباحة.. طريق الفيل أم طريق التجارة القديم أم طريق الحج الأعلى؟.. (قراءة تاريخية)

بقلم: د. سعيد بن عبدالله بن علي آل جفشر

تحتضن منطقة الباحة عددًا من المواقع التاريخية والأثرية التي تعكس عمقها الحضاري ومكانتها في شبكة الطرق القديمة التي ربطت جنوب الجزيرة العربية بالحجاز وشمالها. ومن أبرز هذه المواقع الطريق التاريخي المار بمحافظة العقيق، والذي شاع إطلاق اسم «طريق الفيل» عليه، حتى أصبح هذا الوصف متداولًا في وسائل الإعلام والأوساط الاجتماعية.

 

ومن وجهة نظري، فإن إثبات أن هذا الطريق هو نفسه الطريق الذي سلكه أبرهة الحبشي في حملته على مكة المكرمة يحتاج إلى شيء من التروي والتحقق العلمي، ولا يكفي فيه مجرد الشهرة أو تداول الرواية. فالبحث التاريخي والأثري لا يقوم على التكهنات أو الشهرة، وإنما على المراجع والمصادر العلمية، والأدلة المادية، والمسوح الميدانية، والقرائن العلمية التي يمكن من خلالها الوصول إلى نتائج موثقة.

 

أما الذي يبدو أكثر ثباتًا في ضوء المعطيات المتوافرة، فهو أن هذا الطريق يمثل أحد أهم طرق التجارة القديمة التي عبرت منطقة الباحة، وأسهمت في حركة القوافل بين جنوب الجزيرة العربية والحجاز، ثم امتدت شمالًا نحو بقية أنحاء الجزيرة العربية وبلاد الشام. وقد كانت محافظة العقيق إحدى المحطات المهمة على هذا الامتداد التاريخي، بما تتمتع به من موقع جغرافي مميز جعلها جزءًا من شبكة الطرق التجارية التي ازدهرت عبر قرون طويلة.

 

ويُعرف هذا الطريق تاريخيًا أيضًا باسم «طريق الحج الأعلى»، غير أن الحديث عن هذه التسمية وما يدور حولها تاريخيًا وجغرافيًا يحتاج إلى مساحة مستقلة؛ ولذلك سأرجئ تناوله إلى مقال آخر يتناول «طريق الحج الأعلى» و«طريق الحج السروي»، اللذين يمران كلاهما بمنطقة الباحة، بما يتيح مناقشة مساراتهما ودلالاتهما التاريخية والجغرافية بصورة أكثر تفصيلًا. وبإذن الله، سيكون هناك مقال آخر يتناول بالتفصيل المراجع والمصادر وما كُتب عن «طريق الفيل» أو «طريق التجارة القديم»، بما يسهم في تقديم قراءة علمية أشمل لهذا الموضوع.

 

ولعل سبب شيوع تسمية «طريق الفيل» يعود إلى المكانة العظيمة التي تحتلها قصة أصحاب الفيل في الوجدان الإسلامي؛ فقد خلدها القرآن الكريم في سورة الفيل، كما جعل العرب عام الفيل مبدأً يؤرخون به، وفيه كانت ولادة سيدنا محمد ﷺ، فأصبحت هذه الحادثة حاضرة في الذاكرة الجمعية، وربما نُسب إليها كل طريق يُظن أنه كان مسلكًا لذلك الجيش. غير أن الارتباط الذهني لا يكفي لإثبات الحقيقة التاريخية ما لم تسنده الشواهد العلمية والأثرية.

 

ومن الجهود التي تستحق الإشادة والتقدير ما توليه إمارة منطقة الباحة، بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير حسام بن سعود بن عبدالعزيز، أمير منطقة الباحة، وسمو نائبه صاحب السمو الأمير فهد بن سعد بن عبدالله بن عبدالعزيز بن تركي آل سعود، نائب أمير منطقة الباحة، من عناية بكل ما يعزز مكانة المنطقة سياحيًا وثقافيًا وتراثيًا. فقد اتسمت رؤية الإمارة بالشمول، فلم تقتصر على تنمية السياحة الطبيعية التي تشتهر بها الباحة، بل امتدت لتشمل السياحة الثقافية والأثرية والتراثية، بوصفها عناصر أصيلة في الهوية الحضارية للمنطقة.

 

ويأتي الاهتمام بالطريق التاريخي المار بمحافظة العقيق ضمن هذه الرؤية التنموية، حيث تعمل الإمارة على العناية به وتأهيله ليكون مزارًا ومسارًا سياحيًا وثقافيًا يحتضن الفعاليات والبرامج النوعية التي تُعرّف الزائر بتاريخ المنطقة، وتسهم في استقطاب السياح والباحثين والمهتمين بالتراث، وهو توجه يستحق الثناء، ويُعد نموذجًا في توظيف الموروث التاريخي لخدمة التنمية المستدامة وتعزيز مستهدفات رؤية المملكة 2030.

 

غير أن هذه الجهود الرائدة تستدعي أن يصاحبها عمل علمي مؤسسي، يتمثل في تنفيذ مشاريع بحثية متخصصة لدراسة هذا الطريق دراسة تاريخية وأثرية متكاملة، تشمل أعمال المسح الميداني، والتوثيق العلمي، وتحليل الشواهد الأثرية، وإعداد الخرائط التاريخية، بما يُسهم في تحديد هويته التاريخية على أسس علمية، سواء أثبتت الدراسات مستقبلًا أنه جزء من طريق الفيل، أو أكدت أنه أحد طرق التجارة القديمة التي عرفتها الجزيرة العربية.

 

كما أن هذه الجهود تستدعي دورًا أكاديميًا أكثر فاعلية، من خلال إطلاق مشاريع علمية متخصصة تُعنى بالدراسات التاريخية والأثرية والتراثية المتعلقة بالمنطقة، بالتعاون مع الجهات الوطنية ذات الاختصاص، وفي مقدمتها هيئة التراث والجامعات، بما يضمن توثيق هذا الإرث وفق مناهج علمية رصينة، ويُسهم في تصحيح كثير من التصورات التاريخية المتداولة.

 

ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إنشاء قسم متخصص في الآثار، ليكون مركزًا علميًا لإعداد الكفاءات الوطنية، وإجراء البحوث الميدانية، وتوثيق المواقع الأثرية، ودراسة طرق التجارة التاريخية، والنقوش، والمعالم الحضارية التي تزخر بها المنطقة. إن وجود هذا التخصص لم يعد ترفًا أكاديميًا، بل أصبح ضرورة علمية وتنموية تفرضها المكانة التاريخية التي تتمتع بها منطقة الباحة، وما تمتلكه من مقومات تؤهلها لأن تكون إحدى أهم البيئات البحثية في مجال الآثار والتراث على مستوى المملكة.

 

إن منطقة الباحة لا تحتاج إلى أن تُنسب إليها رواية تاريخية غير محسومة لتزداد مكانتها؛ فمكانتها الحضارية ثابتة بما تختزنه من شواهد أثرية، وطرق تاريخية، وموروث ثقافي غني. وما نحتاج إليه اليوم هو أن نقرأ هذا الإرث بعين الباحث، وأن نتحلى بالتروي العلمي، حتى نبني أحكامنا على الدليل والبرهان، لا على الشهرة أو المأثور الشعبي. فالحقيقة التاريخية لا يثبتها التداول، وإنما يثبتها البحث العلمي الرصين، وهو الطريق الأمثل لصون تراث الباحة وإبراز قيمته الحضارية للأجيال القادمة.

شاهد أيضاً

دورة الحياة 

رشيد محمد آل جلي حين يخذلك قريب أو صديق، ويتنكر لك من كنت تألفه تشعر …

اترك تعليقاً

şans casino |
vidobet |
vidobet |
vidobet güncel giriş |
vidobet giriş |
casinolevant |
casinolevant |
casinolevant |
vidobet giriş |
şans casino |
casinolevant giriş |
casino şans |
şans casino giriş |
casino levant |
casino şans |
casino şans |
boostaro |
casinolevant giriş |
şans casino giriş |
casinolevant giriş |
şanscasino |
vidobet |
vidobet giriş |
levant casino |
galyabet |
gorabet |
galyabet |
galyabet |
galyabet |
galyabet |
galyabet |
gorabet