
بقلم / سلافة سمباوه
قبل أن تختار الأشخاص، اختر المكان الذي يسمح لروحك أن تبقى كما هي. المكان لا يستقبلك فقط، بل يعيد تشكيلك. يترك رائحته على ثيابك، ولغته في كلماتك، وصورته في ذاكرة الناس كلما ذُكر اسمك.
ابحث عن مكان يضيف إلى اسمك، مكان نظيف في شكله، راق في حضوره، واضح في رسالته. المكان الذي يحترم الإنسان ينعكس على ملامحه، وعلى صوته، وعلى طريقة جلوسه، وحتى على نظرته إلى نفسه. بعض الأماكن ترفعك قبل أن تتكلم، وبعضها يخفض قيمتك قبل أن تجلس.
هناك أماكن لا تسرق الوقت فقط. تسرق الهوية. يدخلها الإنسان وهو يعرف نفسه، ثم يخرج منها وقد صار نسخة تشبه الجميع. تختلط رائحة الأجساد بالدخان، ويذوب الوعي تحت الضحكات العالية، ويصبح الصخب بديلا عن المعنى. عندها يتوقف الإنسان عن سماع صوته الداخلي، ويبدأ بالعيش وفق إيقاع القطيع.
الطفولة التي لم تعرف التقدير تبحث عن التصفيق. الصدمات التي لم تجد احتواء تبحث عن الضجيج. الفراغ الذي لم يمتلئ بالمعنى يمتلئ بالازدحام. لذلك ينجذب كثيرون إلى الأماكن التي تمنحهم شعورا مؤقتا بأنهم مرئيون، بينما هم يبتعدون أكثر عن أنفسهم.
نيتشه كان يرى أن الإنسان يصنع نفسه باختياراته اليومية. دوستويفسكي كشف كيف تهزم النفس نفسها حين تهرب من حقيقتها. ديفيد هاوكينز ربط ارتقاء الوعي بالصدق والمسؤولية، وروبرت غرين حذر من أثر البيئة في تشكيل الإنسان. الفكرة واحدة مهما اختلفت اللغة. المكان يشارك في كتابة شخصيتك.
حتى المجاملة لها ثمن. مجرد الوجود المتكرر في مكان مشبوه ينسج حول الإنسان قصة لم يكتبها بيده. السمعة لا تبنى بالكلمات وحدها. تبنى بالأماكن التي اعتادت أن ترى وجهك.
المرأة التي توزع ضحكتها على كل مجلس، وتجعل حضورها متاحا لكل عابر، تخسر شيئا من أنوثتها في كل مرة تبحث فيها عن الانتباه. الأنوثة ليست ضجيجا، ولا تدخينا، ولا رقصا أمام العيون. الأنوثة هيبة، وحدود، واحترام للذات. والجمال الحقيقي لا يحتاج إلى جمهور حتى يثبت وجوده.
والرجل الذي يعتاد تلك الأماكن يخسر بصمت. تتآكل هيبته قبل أن يشعر، ويضعف احترامه لذاته، ثم يحمل اسمه إلى مجالس لا تضيف إليه شيئا. الوقار لا يسقط في لحظة، وإنما يتآكل مع التكرار حتى يصبح الإنسان غريبا عن صورته الأولى.
لن تجد مفكرا حقيقيا يعيش على الضجيج. ولن تجد صاحب رسالة يستهلك عمره بين الدخان والصخب. ولن تجد إنسانا يحترم نفسه وهو يبحث كل ليلة عن اعتراف مؤقت من غرباء. البيئات التي تستهلك العقل، تستهلك الأخلاق بعدها بقليل.
كل رقي يبدأ من الوضوح. من الأماكن التي تشعر فيها بنظافة الرائحة، ونظافة الملامح، ونظافة الحديث، ونظافة العيون. فالنفس السوية تميل إلى النور كما تميل الفوضى إلى العتمة.
الإنسان يشبه الأماكن التي يختارها أكثر مما يشبه الكلمات التي يقولها.
فإذا كان المكان يسرق اسمك قبل أن يمنحك المتعة، فهل يستحق أن تخسر نفسك من أجله.؟
عسير صحيفة عسير الإلكترونية