في مشروع المدارس المتكاملة

سعيد محمد الباحص

 لا مساس باستقلالية المدارس ، وتحويلها من وحدات منفردة إلى مجموعات مهنية لرفع جودة التعليم. 

 

هنا قناعة راسخة بأن جودة التعليم تعتمد اعتماد كلي على جودة المدرسة وتعتمد جودة المدرسة على قدرتها على التعلم المستمر والتطوير الذاتي ومع ازدياد أعداد المدارس وتنوع احتياجاتها اصبحت الحاجة ملحة الى مشروع وطني يعزز من التعاون بين هذه المدارس وينقل الخبرات فيما بينها ويقود التحسين بصورة مستمرة من داخل الميدان التعليمي لهذا فالنظم التعليمية الأكثر قدرة على التطوير هي تلك التي لا تكتفي ببناء مدارس متميزة ومتفرقة بل تبني منظومة مدارس تتعلم من بعضها البعض وتنقل الممارسات الناجحة وتدعم المدارس ذات الاحتياج وتوجه الجهود وفق بيانات ومؤشرات واضحة. 

 

واتساقا لما ذكر أدركت وزارة التعليم بأن عملية تحسين وتطوير المدرسة لم يعد يتحقق بصورة كافيه من خلال عمل كل مدرسة بمعزل عن غيرها بل من خلال بناء منظومة عمل مهنية تربط المدارس بعضها ببعض لتبادل الخبرات واستثمار الموارد والعمل وفق قيادة مهنية قريبة جدا من الميدان قادرة على توجيه الجهود نحو الأولويات التعليمية الأكثر أثرا لهذا أطلقت مشروعها الوطني ( المدارس المتكاملة) ليبدأ تطبيقه مرحليا هذا العام الدراسي ١٤٤٨ ويأتي أهمية هذا المشروع في ضوء ما تواجهه المدارس من تحديات متصلة بتفاوت مستويات الأداء ومحدودية انتقال الخبرات بين المدارس وتعدد الجهود التطويرية والحاجة إلى بناء قيادات مدرسية مستدامة ورفع كفاءة استثمار الموارد البشرية والمادية ومن ثم يقدم هذا المشروع نموذج آلية عمل لتحويل المدارس من وحدات مستقلة تعمل بصورة منفردة إلى مجموعات مهنية متكاملة تعمل بروح الفريق الواحد .

 

إن المحور الاستراتيجي الذي بني عليه هذا المشروع الوطني هو عدم استحداث مستوى تنظيمي أو إداري جديد ولا يلغي استقلالية المدرسة أو صلاحيات مديرها وإنما يعيد تنظيم العلاقة المهنية بين المدارس ويعزز التعاون بينها ويدعم مديري المدارس من خلال قيادة ميدانية قريبة تعمل على بناء القدرات وتبادل الخبرات وتحليل البيانات وتوجيه الدعم وقياس أثر التحسين حيث يرتكز على عدد من المبادىء الحاكمة أبرزها المسؤولية المشتركة عن تعلم الطلبة والقيادة الميدانية القريبة من المدرسة والتطوير المهني القائم على الممارسة واتخاذ القرار المبني على البيانات واستثمار الموارد المشتركة وبناء ثقافة مهنية قائمة على التعاون والتحسين المستمر كما يستهدف نتائج استراتيجية من أهمها الاكتشاف المبكر للتحديات والفجوات التعليمية والسلوكية ومعالجتها بشكل استباقي من خلال المتابعة المستمرة للطالب عبر جميع المراحل الدراسية ، والاسهام في الحد من المشكلات السلوكية المتكررة ، وتعزيز الانضباط المدرسي وتنمية المهارات الاجتماعية والشخصية ، وتحسين جودة التدريس والتعلم ورفع كفاءة القيادة المدرسية ، وتقليص الفجوات بين المدارس وبناء الصف الثاني من القيادات وتعزيز التعلم المهني بين المدارس ورفع كفاءة استثمار الموارد بما يسهم في تحقيق مستهدفات وزارة التعليم ورؤية السعودية ٢٠٣٠ وبذلك لا يمثل نموذج المدارس المتكاملة صيغة تنظيمية جديدة بل يمثل مدخلا وطنيا لإدارة وقيادة التحسين المدرسي يقوم على أن المدرسة القوية لا تعمل وحدها وإنما تسهم في رفع أداء المدارس الأخرى، وأن التحسين المستدام يتحقق عندما تتحول مجموعة المدارس إلى منظومة مهنية تتعلم معا وتخطط معا وتتحمل المسؤولية معا . 

 

إن هذا المشروع يقف على معالجة عدة مشاكل أو مظاهر منها معالجة تفاوت مستوى الأداء بين المدارس داخل النطاق التعليمي الواحد وبقاء الخبرات والممارسات الناجحة داخل مدارس محددة دون انتقال منظم وكذلك محدودية الدعم المهني المستمر لمديري المدارس وضعف بناء الصف الثاني من القيادات المدرسية وتكرار الجهود التطويرية بين المدارس دون تنسيق كاف وانخفاض كفاءة استثمار الموارد البشرية والمادية المشتركة وصعوبة توجيه الدعم وفق الاحتياج الفعلي لكل مدرسة وغلبة المتابعة الإدارية على قيادة التحسين المهني ومن هنا ظهرت الحاجة إلى هذا المشروع الذي لا يكتفي بمتابعة المدارس بل يقود تحسينها من داخل الميدان ويحول العلاقة بينها من علاقة مجاورة إدارية إلى علاقة مهنية تكاملية . 

 

إن المكونات المعتمدة للمدارس المتكاملة والتي تتكون من ستة مكونات يعمل كل منها بصورة تكاملية مع المكونات الأخرى وتشمل هذه المكونات أولا مجموعة المدارس وهي تمثل الوحدة الأساسية وتتكون من عدة مدارس حكومية متقاربة جغرافيا ومتجانسة من حيث طبيعة المرحلة أو الاحتياج بحيث يسهل التعاون بينها وتبادل الخبرات وتنفيذ المبادرات وتعمل المجموعة وفق خطة تطوير مشتركة مع المحافظة على خصوصية كل مدرسة واحتياجاتها وثانيا المدير التنفيذي أو المشرف العام على مجموعة المدارس والذي يتخذ من أحد المدارس التي تشمل المجموعة مقرا له حيث يمثل دوره القيادة المهنية للمجموعة ويتولى قيادة برامج التحسين ودعم مديري المدارس وبناء القدرات وتحليل البيانات ومتابعة الأداء وتنسيق الجهود بين المدارس ويؤدي هذا الدور من خلال التمكين والإرشاد والمتابعة وبناء الشراكات دون أن يحل محل مدير المدرسة أو ينتقص من صلاحياته وثالثا مجلس مجموعة المدارس وهو مجلس قيادي مهني يمثل المرجعية القيادية المشتركة للمجموعة ويضم المشرف العام ومديري المدارس ويعد المنصة الرئيسة للتخطيط المشترك واعتماد الأولويات ومتابعة مؤشرات الأداء وتقديم أثر المبادرات حيث يعمل المجلس على ترسيخ مبدأ المسؤولية المشتركة عن تحسين أداء جميع مدارس المجموعة ورابعا من مكونات المشروع فرق العمل المهنية وهي الذراع التنفيذي للتحسين ويتولى تصميم المبادرات ودراسة التحديات وتقديم الحلول وتنفيذ برامج التحسين والنمو المهني وخامسا البيانات والمؤشرات حيث تعتمد المجموعة على تحليل البيانات التعليمية ومؤشرات الأداء لتحديد الأولويات وتوجيه الدعم وقياس أثر التدخلات بما يضمن إن تكون قراراتها مبنية على الأدلة لا على الانطباعات وأخيرا الموارد والشراكات بحيث يستثمر المشروع الموارد البشرية والمادية المتاحة داخل مدارس المجموعة ويعزز بناء الشراكات مع الجامعات والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي لدعم برامج التحسين والتطوير.  

 

قد يسأل سائل لماذا يستحدث دور كهذا وتطرح فكرة المدارس المتكاملة لتكون الإجابة هي نتيجة التحولات التي يشهدها التعليم والحاجة إلى قيادة مهنية تتجاوز المتابعة الإدارية لتقود عمليات التحسين المستمر داخل المدارس كما يتطلب عدة عوامل وممكنات لإنجاح هذا المشروع من أهمها وجود قيادة مهنية مؤهلة خبيرة في العمل المؤسسي والتزام مديري المدارس بالعمل التكاملي وتوافر بيانات دقيقة وحديثة وثقافة مهنية قائمة على قيم العمل المؤسسي واستدامة فاعلة لبرامج بناء القدرات ومرونة في استثمار الموارد المشتركة ودعم مستمر من الإدارات التعليمية وقياس دوري للأثر والتحسين فإذا نجحنا في تطبيق هذه المعايير حتما سيكون الأثر المتوقع على مستوى المدرسة تحسين التدريس ورفع جودة القيادة وبناء الثقافة المهنية وتعزيز الاستقرار وعلى مستوى مجموعة المدارس نقل التجارب وتقليص الفجوات ورفع كفاءة الموارد وبناء قيادة جماعية وعلى مستوى إدارة التعليم تحسين جودة الدعم ودعم اتخاذ القرار وبناء قاعدة من القيادات وعلى مستوى النظام التعليمي تحسين جودة التعليم ورفع نواتج التعلم وتعزيز العدالة التعليمية وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية ٢٠٣٠ .

 

 

 

 

كاتب المقال: سعيد محمد الباحص 

 

المدينة: المنطقة الشرقية _ الدمام 

 

ايميل:saeedokaz@gmail.com

شاهد أيضاً

وتظن أنك ربيتهم

بقلم : د/ جملاء الغامدي  نقضي سنوات طويلة ونحن نظن أن دورنا مع أبنائنا واضح: …

اترك تعليقاً