
بقلم : د/ جملاء الغامدي
نقضي سنوات طويلة ونحن نظن أن دورنا مع أبنائنا واضح: نحن من نعلّم، ونوجّه، ونزرع القيم، ونرسم الحدود، ونعتقد أننا نحن الذين نشكّلهم.
ثم تمضي السنوات، فنكتشف حقيقة مختلفة:
أننا لم نكن وحدنا من يربّي.
فالطفل الذي كرر سؤاله مرات كثيرة كان يعلّمنا الصبر، والابن الذي خالف رأينا علّمنا أن الحب لا يعني أن نصنع نسخة أخرى منا، وأن التربية ليست سيطرة، بل مرافقة واعية تمنح الأبناء مساحة لينموا ويجربوا ويخطئوا.
ومع الأبناء نتعلم أشياء كثيرة لا تكتبها كتب التربية.
نتعلم كيف نعتذر، وكيف نراجع أنفسنا، وكيف نصمت أحيانًا حين نريد الكلام، وكيف نترك لهم مساحة حين نرغب في الاقتراب.
ثم يكبرون، وتتبدل الأدوار بهدوء.
يسألك ابنك: هل وصلت؟
وتقول لك ابنتك: لا تتعب نفسك.
ويتأكد أحدهم أنك تناولت دواءك.
فتسمع في كلماتهم صدى عنايتك القديمة، وتدرك أن ما زرعته فيهم عاد إليك حبًا واهتمامًا.
ومع مرور الوقت تتغير البيوت أيضًا.
فالضجيج الذي كنا نشتكي منه يصبح ذكرى، والغرفة التي تمنينا أن تبقى مرتبة تصبح صامتة أكثر مما ينبغي، وبعض الفوضى التي أرهقتنا يومًا تبدو لاحقًا أجمل علامات الحياة.
عندها نفهم أن التربية لم تكن رحلة الأبناء وحدهم، بل كانت رحلتنا نحن أيضًا.
فمع كل مرحلة من أعمارهم كانت تسقط منا نسخة قديمة، وتولد أخرى أكثر صبرًا، وأكثر وعيًا، وأكثر فهمًا لمعنى الحب.
وحين يكبر الأبناء حقًا، ندرك أن نجاح التربية لا يعني أن يشبهونا أو يطيعونا في كل شيء، بل أن يصبحوا قادرين على اتخاذ قراراتهم بوعي، والتمسك بقيمهم حين نغيب، والعودة إلينا حبًا لا خوفًا.
فالغاية ليست أن نمسك بأيديهم إلى الأبد، بل أن يأتي يوم نتركها ونحن مطمئنون.
ولهذا، حين نقول: «لقد ربّينا أبناءنا»، ربما تحتاج العبارة إلى شيء من التواضع.
لقد سرنا الطريق معًا.
نحن علّمناهم كيف يخطون خطواتهم الأولى، وهم علّمونا كيف ننضج.
نحن حاولنا أن نصنع فيهم الإنسان الذي نتمناه، بينما كانوا، دون أن يقصدوا، يصنعون فينا الإنسان الذي كنا نحتاج أن نصبحه.
وتظن أنك ربيتهم… ثم تكتشف أن جزءًا كبيرًا منك قد تربّى معهم.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية