
بقلم: إبراهيم العسكري
الإنسان يتأثر بطبيعته بكل ما يرافقه في دروب الحياة.
ويزداد “الغلا” كلما طالت العِشرة بالوفاء والصدق.
سواء كان إنساناً من أهل وصحب، أو مكاناً سكنته الذكريات الجميلة
أو حتى حيواناً اوجماداً يربط به الزمان والمكان بحبل لا يُرى.
مع بدايات التسعينات الهجرية دخلت المرحلة الابتدائية والمدرسة تبعد قرابة ثلاثة كيلومترات عن قريتنا.
وأنا طفل معاق بطرف سفلي فلا أحسن المشي مثل أقراني.
أول يوم تحاملت وكابرت ومشيت ذهاباً لأثبت انني قادر.
وحين عدنا سقطت وتعثرت مراراً، ثم نهضت ودمعي في عيني.
وصلت البيت منهك الجسد مكسور الخاطر.
أبي عليه رحمة الله قرأ كل التعب في عيوني قبل أن أنطق.
اقترب ومسح على رأسي وقال بحنان الرجال الأوفياء:
يا ولدي أبشر بالخير. ستدرس وتتعلم عند أعمامك في الطايف، مع أبناءهم.
دموعي سبقت لساني بالموافقة.
وأمي حفظها الله بكت وقالت: لا ما يروح ولدي.
ولكن أبي رأى بعين الأب الذي يرى أبعد من ذلك اليوم فرجّح كفة الخيار المر: سفر طفل في السابعة من عمره.
وبالفعل سافرت وقضيت ثلاث سنوات في الطايف، تتخللها إجازات الصيف في قريتي الحالمة.
كنت فرح بلقاء والداي واخوتي حينما اعود لهم في قريتي وكذا بلقاء الاعمام وأبناءهم عند المغادرة.
مع حزن يكسر قلب الطفل لفراق أم وأب وإخواة ورفاقة الديرة.
وحين أعود للقرية ينعكس الحزن
لأحزن على الطايف وأهلها.وتلك حكاية يطول شرحها ولا تفيها الحروف حقها.
مع بداية الصف الرابع رجعت لمدرسة القرية المجاورة.
وهناك.رزقني الله برفيق لا يتكلم ولايمل ولا يشتكي.
إنه حماري الصغير
فقد كان سيسياً صغيراً، أجلب له البرسيم من مزرعتنا بيدي والشعير الذي يعشقه.
تعود على مواعيدي فصار ينتظرني عند الباب
يوصلني ويعيدني في الحر والبرد حاملآ كتبي وأسفاري فهو شريكي في الطريق وسرّي الذي لا يبوح به عندما اطرب فأغني او احزن فأبكي.
نشأت بيننا ألفة فكأن الله خلقه لي.
انه دابتي ورفيق درب لا يتحدث ولا يشتكي طول المسافات.
في السادس الابتدائي عاد الحنين للطايف وطلبت ذلك فوافق الأهل وسافرت على عجل، وفي زحمة الوداع
نسيت ان أودّع حماري لعل العود قريبآ.
رجعت بعد سنة احمل شهادة الابتدائي وأسأل عن حماري الوفي.
فكان الجواب من اهلي كالسهم بعناه أثناء سفرك.بثمن بخس.
من يومها وأنا أرددها بحرقة:فراقك أرّقني يا حماري.وعذراً لعدم وداعك فأنت الوفي وانا المقصر.
لقد كنت أوفى من بعض البشر.
خدمتني بلا مقابل، وصبرت عليّ بلا شكوى.
وأنا قصرت في حقك.فسامحني.
عفوآ يا سادة فالجيل القديم كان يفهم معنى “الوفاء” حتى مع دابة.
أما اليوم؟ فقد ننسى الأصحاب بكبسة “بلوك” تلغي الصداقة.
فما بالك بحمار رافقك سنين في الشمس والمطر؟
رحم الله أبي الغالي ذلك الشهم الكريم الأبي الذي علمني الرجولة بالفعل قبل القول.
وحفظ الله أمي الغالية “عذبة اللبن” وأدامها تاجاً على رؤوسنا.
وحفظ الله إخوتي ورفاقي جميعاً.
واكرر اعتذراي لحماري حاملي لاسفاري فلم أنسَ وفاءك، ولن أنساه وان رحلت فبعض الأوفياء يرحلون… ولكن يبقى أثرهم بالوفاء والعطاء.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية