
بقلم / سلافة سمباوه
كثيرون يبحثون عن فرصة استثمار خارجية، عن مشروع يُدرّ ربحًا، أو عقار يرتفع سعره، بينما يغفلون أعظم استثمار يمكن أن يقوم به الإنسان، وهو الاستثمار في ذاته. فالإنسان الذي لا يستثمر في عقله وروحه ومهاراته، مهما جمع من مالٍ، يبقى فقيرًا من الداخل، لأن رأس المال الحقيقي هو الوعي، لا الرصيد البنكي.
الاستثمار في النفس يبدأ من نقطة بسيطة، لكنها جوهرية، وهي أن تعرف من أنت. كثيرون يعيشون حياتهم كاملة دون أن يسألوا أنفسهم هذا السؤال، فينشغلون بتقليد غيرهم، أو بمجاراة توقعات المجتمع، حتى يصلوا إلى منتصف العمر وهم لا يزالون غرباء عن ذواتهم. ومعرفة الذات ليست ترفًا فلسفيًا، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه كل قرارات الحياة، من اختيار المهنة إلى اختيار الشريك إلى طريقة التفكير في الأزمات.
ثم يأتي الاستثمار في المعرفة. فالعقل الذي لا يتغذى بالقراءة والتعلم المستمر يشيخ قبل أن يشيخ الجسد. وهذا لا يعني بالضرورة الشهادات الأكاديمية، بل ذلك الفضول الدائم لفهم العالم، والانفتاح على أفكار جديدة، ومراجعة القناعات القديمة كلما ظهر دليل يستحق إعادة النظر. الإنسان الذي يتوقف عن التعلم، يتوقف فعليًا عن النمو، حتى لو استمر جسده في التقدم بالعمر.
أما البُعد الثالث، فهو الاستثمار في الصحة النفسية والجسدية معًا. فمن يهمل جسده يفقد الطاقة التي يحتاجها لتحقيق أي هدف، ومن يهمل صحته النفسية يعيش أسير أفكار سلبية تُقيّد قراراته دون أن يشعر. والعناية بالنفس ليست أنانية كما يظن البعض، بل هي شرط أساسي لتكون قادرًا على العطاء للآخرين دون أن تستنزف نفسك.
ورابع أوجه هذا الاستثمار، وربما أكثرها إهمالًا، هو الاستثمار في العلاقات التي تُغذي الروح لا التي تستنزفها. فمحيطك يشكّل جزءًا كبيرًا من نسخة نفسك التي تنمو، والإنسان الواعي يختار بعناية من يقترب منه، لأن الطاقة، سلبية كانت أو إيجابية، معدية.
ولعل أهم ما يميز الاستثمار في الذات، أنه الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر قيمته مع الزمن. فالمال قد يضيع، والممتلكات قد تتلف، لكن المهارة التي اكتسبتها، والوعي الذي بنيته، والانضباط الذي رسّخته في شخصيتك، تبقى معك أينما ذهبت، ولا يستطيع أحد أن يسلبك إياها.
الاستثمار الحقيقي في النفس يتطلب أيضًا الشجاعة على مواجهة العادات السيئة واستبدالها بأخرى أكثر نفعًا. فكل يوم تختار فيه أن تقرأ بدل أن تُضيّع الوقت، أو أن تتحرك بدل أن تكسل، أو أن تفكر بإيجابية بدل أن تستسلم للتشاؤم، هو يومٌ تضيف فيه إلى رصيدك الحقيقي، ذلك الرصيد الذي لا يظهر في كشف حساب، لكنه يظهر في نوعية الحياة التي تعيشها.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية