الألقاب والأنساب.. بين الحقيقة والادعاء

د/ سعيد بن عبدالله بن علي آل جفشر

كثرت في السنوات الأخيرة الألقاب حتى أصبحت تُمنح بسخاء لا يتناسب مع قيمتها؛ فهذا «رمز»، وذاك «فخر»، وآخر «حاتم» أو «سيف» أو «فارس»، حتى أصبح بعضها بلا حقيقة تسنده ولا موقف يبرره، وقد يُصنع من موقف عابر أو مساهمة مالية أو ظهور متكرر، مع أن المجد لا تصنعه الكلمات، والمكانة لا يؤسسها لقب عابر.

 

وليس الاعتراض على الألقاب في ذاتها؛ فقد عرفها مجتمعنا قديمًا، لكنها كانت تُكتسب بالشجاعة والكرم والصلاح والعلم والحكمة والإصلاح، ولذلك بقيت ألقاب رجال مضوا منذ قرون؛ لأن وراءها أفعالًا حقيقية، لا قصيدة مدح أو مقطعًا متداولًا.

 

وليس نقد تضخم الألقاب وليد اليوم؛ فقد أورد ابن خلدون (ت 808هـ) في نقد ألقاب ملوك الطوائف قول ابن شرف:

 

ألقابُ مملكةٍ في غير موضعها

كالهرِّ يحكي انتفاخًا صورةَ الأسد

 

وانتقد السخاوي (ت 902هـ) ابتذال لقب «شيخ الإسلام» حتى صار يُطلق على من تولى القضاء الأكبر وإن لم يستجمع من العلم والسن ما يؤهله له. كما عاب محمد كرد علي (ت 1372هـ/1953م) ألقابًا غدت أقرب إلى الهزل حين ارتبطت بالمناصب والشفاعة والقرابة أكثر من العلم والاستحقاق؛ فاللقب إذا جاوز حقيقة صاحبه فقد قيمته وهيبته.

 

واليوم قلبت بعض وسائل الإعلام والتواصل الموازين، حتى أصبحت ألقاب تُصنع أحيانًا على أيدي منتفعين ومطبلين تحركهم مصالح مادية أو معنوية؛ فتبدو مجانية وهي في الحقيقة مدفوعة الثمن بالمصلحة.

 

فقد يُصنع من موقف «رمز»، ومن مساهمة «حاتم»، ومن ظهور «شيخ»، ومن قصيدة «فخر»، وربما لا يكون لصاحب اللقب موقف ولا عمل، وإنما تقف خلفه آلة إعلامية مدفوعة تصنع صورة لا تشبه حقيقته؛ فتجعل البخيل كريمًا، والجبان شجاعًا، وقاطع الرحم واصلًا، والعاق بارًّا، وسيئ الخلق أميرًا للأخلاق.

 

وهكذا تنقلب المفاهيم، وتتحول بعض وسائل الإعلام إلى أدوات تجميل تغش العامة في بعض الشخصيات، حتى يفرح المرء أن يُمدح بما لم يفعل، أو أن يُنسب إلى غير أبيه سعيًا وراء وهم لا يصنع حقيقة ولا يغيّر تاريخًا؛ فما بُني على باطل فهو باطل، وشتان بين لقب يصنعه التاريخ ولقب تصنعه «سنابة» عابرة أو دعاية مدفوعة.

وفي هذا المعنى يقول الله تعالى:

﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 188].

ومثلما ينبغي ضبط الألقاب، فالأنساب أولى؛ لأنها ليست مجالًا للمجاملة والمصلحة، وهنا يجب التفريق بين صريح النسب، وغير الصريح، والدعي.

فصريح النسب هو من استقر نسبه تاريخيًا وتتابعت عليه الروايات والوثائق والشواهد المعتبرة دون قول أقدم ينازعه، وينطبق ذلك على الفرد والأسرة والقبيلة. فإذا تتابعت أمهات كتب التاريخ والجغرافيا والأنساب قرونًا على نسب مستقر، فلا يصح تغييره بقول حادث جاء بعد مئات السنين.

أما غير الصريح فهو من تعددت في نسبه الأقوال التاريخية، قوي بعضها أو ضعف، وهذا لا يجعله دعيًا ولا مجهول الأصل، وإنما يعني أن نسبه لم يستقر على قول واحد، فلا يجوز جعل أحد الأقوال حقيقة قطعية لمجرد الشهرة أو المصلحة.

وأما الدعي فهو من ينتسب عمدًا إلى أب أو أسرة أو قبيلة يعلم أنه ليس منها، أو يدعي نسبًا لا يثبت له. ولذلك لا يجوز الخلط بينه وبين من كان نسبه محل خلاف تاريخي؛ فالأنساب علم وأمانة، لا تثبت بقصيدة ولا بكثرة المرددين، ولا تغيرها الأهواء والمصالح.

أما البحث في النسب الأعلى للقبيلة وردها إلى أصل أبعد فهو باب علمي تتعدد فيه الأقوال ويظل مجالًا للبحث والترجيح. أما تغيير الإنسان نسبه القريب المعروف، وانتزاع نفسه من القبيلة التي وُلد فيها وعُرف بها أبوه وأسرته، ثم الانتقال إلى انتساب محدث تؤيده أصوات منتفعة ومطبلون، فذلك أمر مختلف؛ لأن النسب القريب لا تصنعه الرغبات ولا تثبته كثرة المصفقين.

وتُبنى دراسة النسب على كتب الأنساب والجغرافيا والتاريخ والسير، والوثائق، والموروث الشفهي بما فيه الشهرة والاستفاضة، والقرائن المتساندة، ويضاف إليها حديثًا الفحص الجيني (DNA)، الذي اختلفت المواقف منه بين مؤيد ورافض. وسيكون لتفصيل هذه الركائز وضوابطها مقال مستقل.

وليس المقصود التقليل ممن يبذل ماله في الخير؛ فرب مبلغ قليل بذله محتاج أعظم من مبلغ كبير بذله غني، لكن الخطأ أن تتحول كل مساهمة إلى بطولة، وكل تبرع إلى لقب.

وفي مجتمعنا من يستحق بعض الألقاب عن جدارة؛ يسبقه القبول ويجمع الناس عليه لما عُرف عنه من الخير والكرم ورفعة الأخلاق وحسن السيرة وطهارة النسب وظهور الحسب. وهؤلاء لا يصنعون الألقاب لأنفسهم، بل تتحدث أفعالهم عنهم، ويجمع الناس على فضلهم لأن أثرهم تجاوز المصلحة الخاصة إلى الخير العام.

وفخر المجتمع الحقيقي هو من ترك أثرًا باقيًا: خدم دينه ووطنه وقيادته، ودافع عن بلاده، أو بذل نفسه أو أبناءه في سبيلها، أو حمل علمًا نافعًا، أو أصلح بين الناس، أو حفظ تاريخ مجتمعه، أو أسهم في تنميته. أما مجرد دفع مبلغ في مناسبة أو كثرة الظهور الإعلامي فلا يصنعان فخرًا ولا مجدًا.

وكم من أهل المروءة والعلم والكرم يعيشون بعيدًا عن الأضواء، بينما يتصدر المشهد أحيانًا من يجيد صناعة الصورة أكثر من صناعة الأثر؛ فليس كل من ظهر مستحقًا، ولا كل من غاب مجهول القدر.

ونحن بحاجة إلى ميثاق شرف إعلامي واجتماعي يعيد للألقاب قيمتها، ويجعل الكلمة مسؤولية لا مجاملة، ويوقف صناعة الرموز الوهمية. وإذا استمر الأمر فلن يقف القلم عند التلميح، بل سيمتد إلى التصريح والبحوث العلمية التي تضع النقاط على الحروف؛ حتى لا يستمر تحريف الماضي والحاضر بما يقود إلى تحريف المستقبل.

فليكن صاحب اللقب ممن رفعته أفعاله قبل أن ترفعه العبارات، وممن شهد له الناس بالحكمة والخدمة والإصلاح، لا ممن صنع له لقبًا شاعر أو مجموعة من المصفقين.

الألقاب لا تصنع الرجال؛ الرجال هم الذين يصنعون للألقاب قيمتها، والأنساب لا تثبت بالصوت الأعلى، وإنما بالحق والدليل.

شاهد أيضاً

في اليوم العالمي للعمل الإنساني.. كيان تصنع من العطاء حياة

بقلم الكاتبة / د . وسيلة محمود الحلبي في اليوم العالمي للعمل الإنساني، لا نحتفي …

اترك تعليقاً