موقفٌ يُروىٰ وقدوة تُحتذىٰ :

أحمد وفاطمة

 الكاتب ✍️: لاحق بن عبدالله آل حامد

في زمنٍ قلّ فيه الوفاء وكثر فيه الجحود ، وتراجعت فيه بعض القيم أمام صخب الحياة، تأتي بعض المواقف لتعيد إلى القلوب إيمانها بأن الخير لا يزال بخير ، وأن البر بالوالدين ليس كلمات تُقال ولا مشاعرَ تُخفى في الصدور ، بل مواقفُ عظيمة قد يدفع الإنسان من جسده وراحته وصحته ثمنًا لها .

ومن بين هذه المواقف المضيئة موقف [أحمد وفاطمة ] شقيقان لا يبحث أحدهما عن شهرة أو تصفيقً ، لكنهما فعلا ما هو أعظم من ذلك بكثير ، قدّما البر في أصدق صُوَرِه وأعمق معانيه وأسمى صفاته .

قبل ما يزيد على أربع سنوات كانت والدتهما طريحة الفِراش أنهك المرض جسدها ، وتفيد نتائج الأجهزة الطبية أن الخيارات قليلة وأن الألم يشتد .

وفي تلك اللحظة التي يتردد فيها كثيرون أمام هول القرار لم يتردد إبنها [أحمد ] ولم يسأل ماذا سيحدث لي؟ 

لم يقل ماذا عن صحتي؟ 

وماذا عن مستقبلي؟ 

لم يقف طويلًا أمام مخاوفه ، بل اختصر كل شيء في كلمة واحدة أمي أولًا.

تقدم أحمد بإرادةٍ لا تعرف التردد وتبرع بكليته لوالدته ليكون سببًا بمشيئة الله تعالى في عودة الحياة إليها.

تنجح العملية وتعود الأم إلى بيتها بصحة وعافية وعاد أحمد أيضاً إلى حياته يمشي بين الناس بهدوء وكأنه لم يفعل شيئًا استثنائيًا 

لكن الحقيقة أنه فعل شيئًا لا تفعله إلا النفوس الكبيرة فبعض الأفعال لا تحتاج إلى ضجيج لأنها تتحدث عن أصحابها بصوتٍ أعلى من كل الكلمات .

ومرت السنوات الأربع الماضيةوكأن هذه الأسرة الكريمة أرادت أن تثبت أن البر ليس موقفًا عابرًا 

بل تربية راسخة وأن الخير إذا زُرع في بيتٍ صالح 

أثمر في أكثر من قلب .

الأمر لم ينتهي هنا

هذه المرة كان الأب هو الذي يعاني المرض 

وهنا تقدمت إبنته [فاطمة] شابةٌ في مقتبل العمر وفي مرحلة من الحياة قد ينشغل فيها الإنسان بمستقبله وصحته وأحلامه لكن فاطمة لم يكن يشغلها سوى سؤال واحد كيف أترك أبي وأنا أستطيع أن أمنحه جزءًا من جسدي ليبقى بيننا؟ 

لم تتردد فاطمه بل دخلت غرفة العمليات الشهر الماضي وهي تحمل في قلبها يقينًا أعظم من الخوف ، وخرجت منها وهي تحمل وسامًا لا تمنحه الشهادات ولا الألقاب ولا المناصب 

وسام البر والوفاء والتضحية والإنسانية.

تبرعت فاطمة بكليتها لوالدها لتكون بأمر الله سببًا في أن يستعيد والدها عافيته وأن تعود إليه الحياة وهكذا كتب أحمد وفاطمة معًا قصة نادرة من البر.

أحمد أعطى لأمه — وفاطمة أعطت لأبيها.

وفي بيتٍ واحد…أبٌ وأم. وكليتان.وابنان.

وتربية واحدة وقصة وفاء لا تُنسى أبداً

فأيُّ تربيةٍ تلك التي أنجبت أحمد وفاطمة؟

وأيُّ أبٍ وأمٍّ زرعا في أبنائهما هذا القدر من الإيثار  حتى أصبح الجسد عندهم ليس ملكًا لأنفسهم وحدهم وإنما أمانةً يمكن أن تُقدّم فداءً لمن كان سببًا في وجودهما بعد الله؟

إن ما فعله [أحمد وفاطمة ]ليس مجرد إجراء طبي وليس مجرد تبرع بعضو إنه درسٌ حي في البر ، إنه ترجمة حقيقية لقول الله سبحانه {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} إحسانٌ لم يبقَ في حدود الكلمات ولم يكن مجرد مشاعر ومظاهر بل تحول إلى موقف وتضحية ودم ولحم وجزء من الجسد ، فما أعظمه من موقف.

إنني ومن هذا المنبر أتوجه بمناشدة صادقة إلى مقام إمارة منطقة عسير ممثلةً في سمو أمير الوفاء والعطاء والطيب والكرم سليل المجد تركي بن طلال الذي عوّدنا على تقدير النماذج المشرفة والاحتفاء بالمواقف النبيلة ودعم المبادرات الإنسانية وتكريم أصحاب الأعمال الخيرية والإنسانية الجليلة بأن يتم تكريم أحمد وفاطمة بما يليق بهذا الموقف العظيم فتكريمهما ليس تكريمًا لشخصين فحسب بل هو تكريم لقيمة عظيمة 

نريد أن نراها حاضرةً في مجتمعنا ورسالة لكل شاب وفتاة بأن هذا هو البر وهذا هو الوفاء وهذا هو المجد الحقيقي 

 

وحين يكرّم المجتمع أمثال أحمد وفاطمة فإنه يقول لأبنائه إن الشهرة ليست في عدد المتابعين وإن البطولةليست في الأضواء وإن المجد الحقيقي قد يكون في غرفة عمليات وفي قرار صعب وفي لحظة يختار فيها الإنسان أن يقدم والديه على نفسه.

 

وإلى قبيلة بني مغيد العريقة الأصيلة وإلى شيخها الفاضل الرجل الكريم ، أقول لقد رفع [أحمد وفاطمة] اسم قبيلتهما عاليًا وأظهرا صورة مشرقة من صور النخوة والوفاء التي عُرِفت بها القبيلة ومن حقهما ، بل من واجبنا أن نحتفى بهما في محفل القبيلة ، وأن تُروى قصتهما أمام أبنائها وبناتها لا باعتبارها قصة عائلية فحسب بل باعتبارها قدوة ومبادرة تستحق أن تُحتذى فمن أكرم والديه جديرٌ بأن تكرمه قبيلته ومن جعل والديه قبل نفسه يستحق أن يُرفع اسمه بين أهله اعتزازًا وعرفاناً

 

كما أنني أتمنى من جمعيات الوفاء والجمعيات الخيرية ومن جمعية إيثار لمرضى الفشل الكلوي أن تتبنى قصة أحمد وفاطمة وأن تجعل منها نموذجًا توعويًا وإنسانيًا يُعرّف الناس بمعاني البر والعطاء والإحسان والمعروف ، فالناس اليوم لا تحتاج فقط إلى الكلمات٠

الناس تحتاج أن ترى البر حقيقة وفعلاً أحمد وفاطمة لا يبحثان بحسب ما عُرِف عنهما عن مالٍ أو شهرة أو أضواء أو مديح أو شهرة ، وهذا تحديدًا ما يجعل تكريمهما أكثر استحقاقًا.

فهما لم يفعلا ما فعلا من أجل التكريم ولكننا نحن من يجب أن نكرمهما لنقول لأبنائنا وبناتنا 

هناك أبطال لا يحملون ميداليات وهناك مشاهير لا تظهر صورهم على الشاشات وهناك عظماء لا يبحثون عن التصفيق لكنهم حين تأتي لحظة الاختبار يقدمون أعظم ما يملكون لمن يستحق إنهم الأبناء البارون بوالديهم .

 

أحمد وفاطمة لقدّقدمتما درسًا لا يُنسى وأعدتما إلى الواجهة صورة أخرى للشيمة والمرؤة كادت أن تضيع وسط زحام الحياة 

إن بر الوالدين ليس شعارًا نردده بل موقفٌ نثبت فيه من نحن وكيف يكون رد الجميل

 

اللهم احفظ أحمد وفاطمة وبارك لهما 

في صحتهما وعافيتهما واجعل ما قدماه 

لوالديهما نورًا لهما في الدنيا والآخرة 

وأجْزهما خير الجزاء واجعل برهما بوالديهما 

رفعةً لهما في الدنيا وذخرًا لهما في الآخرة.

اللهم أتمم على والدهما نعمة العافيه وأعده 

إلى بيته وأهله وأحبابه سالمًا معافى واجعل 

ما قدمته له ابنته فاطمة سببًا في تمام عافيته 

ودوام صحته بحولك وقوتك.

واحفظ والدتهما وأدم عليها الصحة والعافية 

وأكرمها بأبنائها وأقر عينها بهم وبارك لهذه 

الأسرة الكريمة في أبنائها وأعمارهم وصحتهم .

 

ولعل أجمل ما أختم به قصة أحمد وفاطمةأنهما لم ينقذا والديهما بكليتين فقط بل أنقذا فينا معنىً جميلًا اسمه: [الْبِّر]

 

فهنيئاً لوالدين أنجبا أبناءً كهؤلاء

وهنيئاً لأبناءٍ عرفوا أن أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان في حياته أن يكون َبارًا بمن كانا سببًا في حياته وسعادته.

 

وأنا أكتب هذا لم تغب من أمامي ملامح جَدُ [أحمد وفاطمة ]لأبيهما حسين بن أحمد آل عبدالله أحد رموز منطقة عسير غفرالله له ..

ولا ملامح جَدِهما لأمهما الإنسان و الشاعر الكبير رجل الجود والوفاء فارس الشعر وأحد أركانه في المملكة العربية السعودية والخليج أحمد الناصر الشايع من محافظة الزلفي رحمه الله 

 

هذا العمل أكد لي أن القيم والشيم والمرؤة متوارثة وأنها لاتباع ولاتشترى وأن المجد والشرف ليس صعب المنال على أ حفاد الرّجال 

 

الراية البيضاء لأحمد وفاطمة ولكل الباذلين الأوفياء

شاهد أيضاً

بيشة.. يا جارة الوادي

عبدالله سعيد الغامدي.  بيشة يا جارة الوادي، يا مدينةً لا تُقرأ على الخريطة فحسب، بل …

اترك تعليقاً