
بقلم: د. سعيد بن عبدالله بن علي آل جفشر
اطلعت على مقال صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة، بعنوان «جامعة ثقافية… من الرياض إلى العالم»، المنشور في منصة العربية.نت بتاريخ 13 سبتمبر 2026م، وهو مقال يضيء جانبًا مهمًا من التحول الثقافي الذي تشهده المملكة، ويكشف عن رؤية طموحة لمستقبل التعليم والثقافة والفنون من خلال جامعة الرياض للفنون.
وما طرحه سمو وزير الثقافة عن انطلاق هذه الجامعة يفتح بابًا واسعًا للتأمل في عمق التجربة الثقافية والفنية في المملكة العربية السعودية؛ فهذه الجامعة لا تبدأ من فراغ، وإنما تنطلق من أرضٍ زاخرة بإرث حضاري وثقافي وفني ممتد عبر مختلف الحقب التاريخية.
فالمملكة العربية السعودية، في جميع مناطقها، مليئة باللوحات المتنوعة من الثقافة والفنون؛ فالتاريخ القديم به شواهد عظيمة على كثير من الرسوم والنقوش ذات الدلالات الحضارية الراقية العظيمة، مرورًا بمراحل وحقب التاريخ المختلفة. فتاريخ ما قبل الإسلام وتاريخ ما بعد الإسلام، من شعر ونثر وخطب وفنون وعلوم، جعل العالم في حقب تاريخية متعددة يستلهم ويستنير بنور الحضارة العربية الإسلامية، التي كان ضياؤها الأول والأساس يشع من جزيرة العرب.
كما أن التاريخ القديم للمملكة، بما يحمله من ممالك وحضارات وآثار في شمال المملكة وجنوبها وشرقها وغربها، دليل على حضارات إنسانية كان لها وجودها الحضاري، وتشير شواهدها، لكل عارف وعالم ومطلع، إلى عمق الحضور الإنساني في هذه الأرض ومكانتها في تاريخ الحضارات، وأن الجزيرة العربية كانت من المواطن المبكرة للوجود البشري ومن البيئات التي أسهمت في تشكل الحضارات واتصالها بمراكز الشرق الأدنى ثم بغيرها من بقاع العالم.
ومن هنا، فإن ما أشار إليه سمو وزير الثقافة من أن الجامعة تقوم على «هوية سعودية بمعايير عالمية» يلامس جوهر هذا الإرث؛ فالاهتمام بالثقافة والعلوم والفنون ليس جديدًا، لكن هذه العناية الأبوية الكريمة من خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، واهتمامهما بهذا المنطلق المهم، وما يقوم به صاحب السمو وزير الثقافة، يأتي اليوم ليضع هذا الإرث في مركز مؤسسي أكاديمي يحفظ هذه الفنون، ويضيف إليها، ويمنحها طابعًا عربيًا سعوديًا قادرًا على أن تكون له بصمة عالمية.
كما أن حديث سمو الوزير عن شغف السعوديين بالثقافة والفنون تؤكده طبيعة المملكة نفسها؛ فما تزخر به من الفنون الأدائية، والتراث المادي وغير المادي، وتنوع الأهازيج والفنون الشعبية، والحرف، والعمارة، والأزياء، وسائر أشكال التعبير الثقافي في جميع مناطق المملكة، يجعلها في مجموع هذا التنوع وكأنها قارة من الفنون والثقافة.
ولا أدل على هذا الثراء من كثرة الفنون الأدائية، والتراث المادي، والتراث غير المادي، وتنوع الأهازيج والفنون الشعبية في جميع مناطق المملكة، فضلًا عما تزخر به من الرسوم والنقوش والشواهد الحضارية، التي تجبر كل منصف على الوقوف أمامها احترامًا وتقديرًا لهذا الشعب عبر حقبه التاريخية المختلفة، الذي ظل واضعًا بصمته في الحضارة والثقافة والفنون؛ بصمةً ذات أثر، وبصمةً لا تغيب شمسها.
وتزداد أهمية ما طرحه سمو وزير الثقافة حين نقرأ الأرقام والمؤشرات التي أوردها في مقاله؛ فالجامعة تأتي امتدادًا لمشروع واسع لبناء القدرات البشرية في القطاع الثقافي، وقد تجاوز عدد المستفيدين من برامج التعليم والتدريب الثقافي منذ تأسيس وزارة الثقافة 63 ألف شخص، في وقت تتجه فيه القطاعات الثقافية لتكون رافدًا مهمًا من روافد التنمية وسوق العمل والاقتصاد الإبداعي.
كما أن التوقعات التي أشار إليها سموه بوصول عدد الوظائف في القطاعات الثقافية إلى نحو 346 ألف وظيفة بحلول عام 2030م تكشف أن الحديث عن الثقافة لم يعد محصورًا في حفظ الموروث أو ممارسة الفنون فحسب، بل أصبح مرتبطًا كذلك ببناء اقتصاد ثقافي وإبداعي، وصناعة فرص وظيفية ومهنية جديدة لأبناء وبنات الوطن.
وإذا كان التاريخ زاخرًا بالأمثلة التي تدل على عمق هذا الحضور، فإن جامعة الرياض للفنون ستكون ـ بإذن الله ـ منارًا مشعًا للعالم كله، وستكون حافظةً للثقافة والفن العربي السعودي، وعاملةً على رقيهما وتطويرهما، لا بمجرد حفظ الموروث، بل بإعادة إنتاجه معرفيًا وفنيًا وإبداعيًا، وربطه بالتعليم والبحث والتقنية والاقتصاد الثقافي.
وتزداد قيمة الجامعة بما أشار إليه سمو وزير الثقافة من تنوع تخصصاتها؛ من الإدارة الثقافية، والأفلام، والموسيقى، وإدارة المتاحف، والمسرح، والفنون الأدائية، وفنون التصميم، والعمارة، والأزياء، والفنون البصرية، والتصوير الفوتوغرافي، والدراسات التراثية والحضارية، وفنون الطهي، والتعليم الثقافي. وهذا التنوع يعكس اتساع مفهوم الثقافة وتعدد مجالاتها، ويمنح المبدع السعودي مسارات أكاديمية ومهنية متكاملة.
ومن هنا فإن الجامعة لا تمثل مجرد مؤسسة تعليمية جديدة، بل مشروعًا وطنيًا قادرًا على صناعة جيل من المبدعين والباحثين والمتخصصين، يحمل هويته بثقة، وينفتح على العالم بمعايير أكاديمية عالية، ويحوّل هذا الإرث الكبير إلى معرفة وإبداع وإنتاج ثقافي وفني ذي حضور محلي وعالمي.
وما تحظى به الجامعة من دعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ـ حفظهما الله ـ، وما تقوم به وزارة الثقافة بقيادة سمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، يعكس نظرة بعيدة المدى لمكانة الثقافة في بناء الإنسان، وتعزيز الهوية الوطنية، وصناعة المستقبل.
وأحسب أن أجمل ما في هذه الجامعة أنها تجمع بين الجذور والطموح؛ فهي تنطلق من تاريخ عريق وإرث حضاري وثقافي زاخر، وتتجه في الوقت نفسه إلى المستقبل برؤية عالمية، بما يجعل من الرياض مركزًا للإشعاع الثقافي والمعرفي، ومن المملكة منصة عالمية للإبداع والفنون.
ونسأل الله لهذه الجامعة التوفيق والسداد، وأن يجعلها منارةً للعلم والثقافة والفنون، وحافظةً لإرث هذا الوطن، ومضيفةً إليه بما يليق بتاريخ المملكة وعمقها الحضاري وطموحها العالمي، وأن يبارك في كل جهد يحفظ هذا الإرث، ويرتقي بالثقافة والفن العربي السعودي، ويضيف إلى الحضارة الإنسانية بصمة سعودية تليق بتاريخ هذا الوطن ومستقبله.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية