
بقلم/ عبدالمحسن محمد عسيري
في الأزمات، لا تبقى المعركة عند الحدود، ولا تنتهي عند صوت الصواريخ والطائرات المسيّرة؛ فهناك جبهة أخرى أكثر قربًا منا، تدخل كل منزل ومجلس وهاتف محمول: جبهة المعلومة.
وفي ظل الأحداث المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يصبح السؤال مهمًا: كيف نحمي مجتمعنا من أن يتحول القلق الطبيعي على الوطن إلى بيئة خصبة للشائعات؟
تخيّل جنديًا يقف على أحد المواقع، بعيدًا عن أهله، يؤدي واجبه بصمت، وفي اللحظة ذاتها تصل إلى أحد هواتفنا رسالة مجهولة المصدر، أو مقطع قديم يُعاد نشره على أنه حدث قبل دقائق، ثم تبدأ رحلة «إعادة الإرسال».
من مجموعة عائلية إلى أخرى، ومن مجلس إلى حساب في منصة اجتماعية، حتى يصبح انتشار الخبر أسرع من السؤال عن صحته.
وهنا تبدأ خطورة الشائعة.
فهي ليست مجرد معلومة خاطئة يمكن تصحيحها لاحقًا، بل قد تكون قلقًا يدخل بيتًا كاملًا؛ أمًا تخشى على ابنها، وأبًا يبحث بين عشرات الرسائل عن الحقيقة، وأسرة تنقل الخبر لأقاربها بدافع الحرص، قبل أن تعرف إن كان صحيحًا أصلًا.
والأخطر أن الشائعة نادرًا ما تقدم نفسها بوصفها شائعة. غالبًا تأتي في ثوب النصيحة: «انشر ليعرف الجميع»، أو «وصلني من مصدر موثوق»، أو «الأمر لم يُعلن رسميًا بعد».
وهكذا قد يشارك الإنسان بحسن نية، لكنه يصبح دون قصد جزءًا من دائرة تضخّم الخوف.
اليوم، لم يعد نشر الأخبار حكرًا على الصحف والقنوات. كل شخص يحمل هاتفًا أصبح قادرًا خلال ثوانٍ على التصوير والكتابة والنشر والوصول إلى مئات الأشخاص.
وهذه القدرة تفرض مسؤولية.
فزر «مشاركة» ليس مجرد حركة عابرة، لأنك حين تنشر خبرًا غير موثق، فإنك تضع ثقة الآخرين بك خلفه، حتى لو أتبعت الرسالة بعبارة: «لا أعلم عن صحتها».
وفي زمن الأزمات، لا تكفي النوايا الحسنة؛ لا بد أن تكون المعلومة صحيحة أيضًا.
للشائعة ميزة خطيرة: أنها لا تحتاج إلى مصدر، بل إلى عنوان مثير، وقليل من الغموض، وكثير من القلق.
أما الحقيقة فتحتاج إلى تحقق وسياق ومصدر.
ولهذا قد تنتشر الشائعة أسرع، لكن أثرها لا ينتهي بمجرد نفيها، لأنها قد تترك خلفها ارتباكًا وقلقًا وشكًا في كل ما يُقال.
ومواجهة ذلك لا تعني أن يصمت المجتمع أو يتوقف عن السؤال، بل أن يسأل أكثر، وأن يفرّق بين الخبر والرأي والتحليل والتخمين.
فالمجتمع المتماسك ليس مجتمعًا لا يتحدث، بل مجتمع يعرف متى يتحدث، وماذا ينقل، ومن أين يأخذ معلوماته.
وتتعاظم المسؤولية على الصحفي والإعلامي؛ فالصحافة في وقت الأزمات لا ينبغي أن تنافس الحسابات المجهولة في السرعة، بل في المصداقية.
أحيانًا يكون الخبر الصحيح المتأخر قليلًا أكثر قيمة من خبر سريع يتصدر المشهد ثم ينهار أمام أول تحقق.
لكن المسؤولية لا تقع على الإعلام وحده.
هي تبدأ أيضًا من المنزل، ومن المجلس، ومن مجموعات العائلة، ومن الشخص الذي يقرر أن يتوقف ثوانٍ قبل إعادة الإرسال.
أن تقول: «نتأكد أولًا».
أن تحذف مقطعًا بعدما تكتشف أنه قديم.
أن تصحح معلومة خاطئة بدل أن تتركها تنتشر.
هذه ممارسات صغيرة، لكنها حين تتحول إلى سلوك عام تصبح جزءًا من مناعة المجتمع.
في النهاية
قد لا يقف معظمنا يومًا على الحدود، لكننا نقف كل يوم أمام مسؤولية أخرى: مسؤولية الكلمة.
لسنا مطالبين بالصمت، بل بالوعي. ولسنا مطالبين بتصديق كل ما يقال، بل بالتحقق.
وربما تختصر هذه القاعدة كثيرًا من المسؤولية:
إذا لم تعرف مصدر الخبر، فلا تكن أنت مصدره للآخرين.
فالأوطان لا تحميها الحدود وحدها، بل يحميها أيضًا مجتمع لا يسمح للخوف أن يسبق الحقيقة، ولا يترك للإشاعة ثغرة تدخل منها.
عسير صحيفة عسير الإلكترونية