إلَّا مكة المكرمة والمدينة المنورة

اللواء الركن م. الدكتور / بندر بن عبد الله بن تركي آل سعود

عند رحيل مؤسس بلادنا العزيزة الغالية هذه، التي ليس مثلها في الدنيا بلاد، الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، تعالت أصوات الغوغاء الخونة العملاء شامتين، في محاولة لتخويف السعوديين وبث الذُّعر في نفسهم بانفراط عقد بلادهم وزوال نجمها، كما زالت الدولة السعودية الأولى والدولة السعودية الثانية؛ ناسين أو متناسين وجاهلين في الوقت نفسه، أن الإمام تركي بن عبد الله، صاحب السيف الأجرب، أعاد الدولة السعودية أقوى مما كانت عليه في مهدها الأول، وفعل الملك عبد العزيز الشيء نفسه في استعادة دولة الإمام تركي بن عبد الله. فخيَّب الله ظنّ أولئك الغوغاء، والتف أبناء المؤسس الملك عبد العزيز والشعب السعودي كله حول ولي العهد الملك سعود، الذي اعتلى سدَّة الحكم إثر رحيل والده، واستمرت قافلة الخير القاصدة تحقق مع بزوغ كل فجر جديد إنجازاً فريداً، يضع مزيداً من اللبنات لترسيخ أركان الدولة السعودية.

وعند رحيل الملك سعود، تعالت الأصوات نفسها، بل ارتفع صخبها هذه المرة وعلا ضجيجها أكثر، لِمَا فاجأها من ثبات الدولة، والتفاف الشعب المخلص حول قيادته الوفية، وعزم القيادة وحزمها لمواصلة الرسالة مهما بدت في الطريق من عقبات، وهكذا كان الأمر يتكرر مع رحيل كل سلف ومجيء الخلف ليحل محله، في توافق وسلاسة منقطعة النَّظير، أدهشت العالم كله؛ فتغلي قلوب أصحاب تلك الأصوات من شدَّة الحقد والحسد، وتكاد تلقى حتفها من شدَّة الغيظ مع كل أزمة تتعرض لها بلادنا.. يوم غزا صدام حسين الكويت، وعَرَّض أمن المملكة والمنطقة للخطر، وعند انخفاض أسعار النفط، يوم كان المورد الوحيد لبلادنا قبل تعدد مصادر دخلنا بعد نجاح برامج رؤيتنا (2030) الطموحة الذكية، التي هندسها أخي العزيز الغالي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، رئيس مجلس الوزراء، ولي العهد القوي بالله الأمين، وتفشي وباء الكورونا الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، واليوم إثر اعتداء الحوثيين عملاء إيران على بلادنا وتهديدهم حتى لأمن مكة المكرمة حيث بيت الله الحرام.

لكن الخبر السعيد: مثلما كان السعوديون في كل مرة يفاجئون أولئك العملاء الخونة المخذِّلين ويدهشون العالم أجمع بما يحققونه من نجاح منقطع النظير في أحلك الظروف وأقساها، قطعاً سيضعون اليوم بقيادة خادم الحرمين الشريفين سيدي الوالد المكرم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، حدَّاً حاسماً لهذه الاعتداءات الآثمة، التي تجاوزت المواطنين والمقيمين الأبرياء والبنية التحتية لتستهدف مكة المكرمة حيث بيت الله الحرام.

فوالله ثم والله ثم والله، إننا لنفرح بالموت دفاعاً عن مقدساتنا التي تمثل جوهر رسالتنا، أكثر من فرح أولئك المعتدين الآثمين بالحياة في نعيم مقيم، ليس هذا فحسب، بل إننا على استعداد تام للموت دفاعاً حتى عن حبة رمل واحدة فقط من ثرى بلادنا الطيب الطاهر المبارك، ناهيكم عن بيت الله عزَّ و جلَّ ومثوى رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام.

وعلى كل حال، على الحوثيين أن يفهموها بوضوح شديد: إن أرادوا السلامة والنجاة، عليهم فك ارتباطهم بإيران والتنازل ليتشاركوا مع بقية الأشقاء اليمنيين من كل الأحزاب والطوائف في إدارة بلادهم دون إقصاء أحد، بحيث يمثلون جزءً من كلٍّ، هدفهم جميعاً مصلحة البلاد وتنميتها وتطويرها وتوفير حياة كريمة لكل مواطنيها وانتشالهم مما يعانونه من شدَّة وضنك، ورعاية حقوق الجيران.

فساعتئذٍ سنكون أول المهنئين الداعمين بقوة لكي نضع جميعاً حدَّاً لمعاناة أشقائنا في اليمن، ونعيده سعيداً أكثر مما كان في سالف الزمان.

أما إن اختار الحوثيون المواجهة وأصروا على المضي قدماً في غيهم وعمالتهم لاختطاف اليمن، وتقديمه على طبق من ذهب لإيران، خدمة لمشروعها وفكرها المتطرف، بعد إقصاء بقية المكونات الأخرى من المجتمع اليمني، وتهديد أمن المنطقة الذي لم يستثنِ حتى مكة المكرمة حيث قبلة المسلمين، ساعتها ليفهموها بوضوح شديد أيضاً: لن نسمح نحن السعوديين بتكرار مأساة العراق في اليمن مهما كان الثمن.

فقد ظهرت حقيقة الحوثيين اليوم وما يتأبطونه من شَرٍّ بجلاء لا لبس فيه ولا غموض، وخطورة أهدافهم حتى لأولئك المغيبين الذين كان موقفهم منهم لوقت طويل في منطقة رمادية.

ولهذا أقول: ينبغي على كل مسلم صحيح الإيمان والاعتقاد، أن يتضامن مع السعودية ويتعاون معها و لو بالدعاء، وإلَّا وجب عليه أن يراجع حقيقة إيمانه وصدق عقيدته، إذ متى بغضب المسلم صحيح الاعتقاد، إن لم يغضب لاستهداف مكة المكرمة حيث بيت الله الحرام، قبلة المسلمين؟!.

وعلى كل حال: لقد تمايزت الصفوف اليوم حتى لمن في عينه غشاوة، وعلى الحوثيين الاختيار بين أن يكونوا جزءً من كلٍّ في دولة آمنة مطمئنة مستقرة مزدهرة متعاونة مع جيرانها متضامنة معهم من أجل خير الجميع، وبين اجتثاث شأفتهم. فلن نسمح لهم لكي يكونوا حصان طروادة لتحويل اليمن إلى عراق أخرى مهما كان الثمن.

وإن كنت على يقين تام من الانتصار الساحق بعون الله وتوفيقه، ثم بعزيمة قيادتنا وحزمها والتفاف شعبنا ومؤازرة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، الذين يغيرون على قبلتهم ولا يسمحون لأيٍّ كان المساس بأمنها، وليس حكاية أبرهة الأشرم ببعيدة عن الأذهان، وإن غداً لناظره لقريب.   

شاهد أيضاً

وعي المجتمع.. خط الدفاع الأول

بقلم/ عبدالمحسن محمد عسيري في الأزمات، لا تبقى المعركة عند الحدود، ولا تنتهي عند صوت …

اترك تعليقاً