وعاد النور

بقلم / أحلام علي الشهراني 

أحاط إصبعها بخاتم الرباط المقدس ، وأطلق كفها الثلاثيني وفي وجهها تبسم .. أرخت مقلتيها عن وجهه الباسم وشبابه الغارق في الوسامة .. على صوت الزغاريد سافرتْ بها اللحظات للحلم الخالد ..

 

إنها على قمة جبلٍ عالٍ ، وكأن باب السماء قد فُتح لها .. نافذة يخرج منها الخيل .. يهرول نحوها في غاية الجمال ، وكأن خالقها يبشرها ويمنحها أملًا جديدًا وحياةً مشرقةً .. استيقظت وقلبها يكاد الفرح والهلع يقتلعانه من مكانه .. توضأت وسلَّمت جبينها شكرًا بركعتين .

 

تلاشت أصوات الزغاريد والدفوف شيئًا فشيئًا ، وغرفة الخطوبة بدأت تخلو من الضيوف.. وحيدةً بقيت مع خطيبها .. الشرود يشتت الخطيبين ؛ هي في حلمها ، وهو في خجله .. بلا مقدمات التفت إليها وقال :

 

⁃ ما بك !!

⁃ ردت بارتباك : لا لا شيء

⁃ (رفع بسبابته وجهها نحوه ) وأردف : أريني وجهك

⁃ ردت بسرعة : أرني انظر أليك

⁃ ابتسم وقال : ها أنذا أمام وجنتيك وقلبك وشعورك ، فحدثيني عما يجول بخاطرك .. عن شرودك وشتاتك وبلا خجل أو وجل

⁃ باندفاع قالت : في يومٍ من الأيام، وفي زحام الأيام وتسارع الوقت، كانت هناك عائلة جميلة يحفّها الأمن والسعادة والاستقرار: بنتان، وأم، وأب.

وكانا يعيشون بالجنة من فرط السعادة

مرّت السنين ومرّت الأيام، وإذ بهاتين الفتاتين تصبحان شابتين فائقتي الجمال تزوجت الأخت الكبرى، وبقيت الأخت الصغرى. كانت في ريعان شبابها، وقد منحها الله جمالًا منقطع النظير، حتى أن كل من يراها يقول: ما هذه الإنسانة؟ ما هذه الفتاة؟

 

إلى أن دخل البلاء إلى هذا البيت الصغير — وهي أقدار الله — فقد أصيبت بنوعٍ من المس بسبب جمالها، وعدم اهتمامها بالأذكار ولم تكن تتحصّن. مكثت كثيرًا تعاني؛ حيث أصبح ذلك المس يتكلم على لسانها ويهدد ويتوعد والدها ، وأنها لن تعيش حياةً طبيعية بسبب قوله الدائم أنه يحبها ولن يتركها عانت كثيرمن الكوابيس في نومها، في فراشها، في وقت الليل من فرط الألم والمعاناة .. هجرت غرفة نومها ، أصبحت تسمع أصواتًا بجانبهاتخاطبها وكأنها معها هي التي تراها فقط .. تنام فتسمع أصواتًا في البيت يتشكل لها وحوش من غوريلا من جسد بلا رأس وبشر وأطفال بأشكال مخيفة على بيتها وفي تحفها .

 

أصابها الضر ، وأصبحت كالمجنونة المهلوسة. لم يعلم بألمها ومعانتها غير والدها لدرجة أن والدها ينهار من البكاء من فرط الألم ، وفي ذلك اليوم المخيف استفاق من النوم وهي تضرب باب البيت للخروج وبلمح البصر لم تعد موجودة أمام ناظريه بدأ يصرخ ويصرخ بكمد أين ذهبت ؟؟ خرج يبحث عنها وأهله وأهل قريته بين سفوح الجبال وبطون الأودية ، دعوات والديها وتضرعهم لم تقف ؛ إنه أمر الله بين الكاف والنون .. لأسبوع كامل يخرج والدها من بيته قبل بزوغ الفجر للبحث عنها حتى وجدها في وضع رث مُحزن ملابسها ممزقة ، وقدميها تنزفان بدماء .. ركض سريعا وضمها وبكى كثيرًا ، وقام بتغطيتها ، وكانت تتحدث لوالدها لماذا أنا هنا ؟؟ أين عباءتي ؟؟

 

سكت والدها ثم قال لها ؛ لقد مرضتي وأرجعك الله لي وعاد والدها بقوة وعزم رب العباد وبدأ هو يقرأ عليها ، وعندما لم يجدي نفعاً انطلق بها لم يُبقِ مكانًا ولا أثرًا ولا مقرئا ، فهناك من يقول تعافت ، وهناك من يقول لابد لها من ضرب ، والاخر كوي وبدون كلل أو ملل ؛ يعاود زيارتهم .

 

جلست على هذا الحال قرابة ثلاث سنوات، من شيخ إلى شيخ إلى شيخ .. دبّ الهزال في جسدها، وزادها المرض مرضًا، وضاق ذرع والدها ووالدتها بهذا الألم ولكن كانت تعلم أن هذا إبتلاء من الله ولابد لها من الصبر وظلت على هذا الحال صابرة مُحتسبة

إلى أن فتح الله عليها، وعرفت طريق نجاتها بعد الله فأصبحت تداوم على القرآن… تداوم على القرآن… تداوم على القرآن، وأصبح اليقين في قلبها يشع نوراً لا ينقطع. ترى هذه التهيؤات أمامها فلا تخاف، تسمعها توقظها من النوم فلا تخاف.

 

استمرت على هذا الحال أربع سنوات، حتى بلغت سن الثلاثين. فإذا بحياتها تتغير وتتحول إلى طمأنينة وعادة تعيش حياة طبيعية ، وأصبحت أكثر هدوءًا واحتساب وأصبح الناس يطرقون بابها لخطبتها، وأصبحت تختار: أآخذ هذا أم آخذ ذاك؟ وعلمت يقينًا أن هذه أقدار الله.

وكان من جميل عطايا الله عليها ؛ أن أرسل لها زوجًا صالحًا وشابًا وسيمًا.. نادى قلبها فلبى نداءه ، إنه يجلس بجواري ، وفي عينيه ثقة الرجال ، وحبُّ الرجال ، وودائع الثقات .

لمعت في عينيه دمعتين وحظن كفيها وتعاهدا على ميثاقٍ وطيد لا تزعزعه صروف الزمن أو وساوس الشياطين أو سياط الحاقدين .

شاهد أيضاً

بلّسمر في أحضان سماء عسير 

بقلم/ عبدالله الأسمري  تقع بلّسمر في أحضان سماء عسير كلوحةٍ فنية صاغتها الطبيعة بأبهى صورها؛ …

تعليق واحد

  1. أهفو إليكَ فأيّ الدّربِ أعتمدُ
    والنّاسُ قبليَ في لقياكَ تحتشدُ
    وكمْ خشعْتُ وذابتْ فيكَ أوردتي
    وذوّبتْني احتراقاتٌ..أنا البددُ
    ها قدْ تدثّرْتُ في روحي يبعثرُني
    طوقُ النجاةِ إلى ربّي فأتّقدُ
    يا ربُّ عفوُكَ عنْ ذنبي وقد عجزَت
    عنهُ الجبالُ فلا يُحْصى لهُ عددُ
    أنتَ الرجاءُ لمثلي في مصائبِهِ
    يا فالقَ الحبِّ والأكوان يا أحدُ
    ولا خيارَ لدربي في تشرّدهِ
    ولا لدمعي هيامي فيكَ يتّقدُ
    إلّاكَ روحي لهُ في توبةٍ رجعَتْ
    وعجزُ عشقٍ لذاكَ النّورِ يستندُ
    كلُّ الليالي التي مرّتْ تباعدُني
    منكَ استفاقَتْ بنورِ القربِ ترتعدُ
    تلكَ القناديلُ منْ أوهامِنا سكبتْ
    ديجورَ أحلامِنا نَرجو ولا نجدُ
    منْ نبعِ عفوكَ كلُّ الناسِ قد نهلتْ
    تختالُ في حللِ الآلاءِ.. تبتردُ
    يا منْ أناجي وأتراحي تُسامرُني
    في لجّة الليلِ والأرواحُ تتقدُ
    قلبي من الوجدِ تسمو فيه أمنيةٌ
    بردُ اليقينِ على أضلاعه يردُ
    طرّزْتُ ثوبَ الرّؤى فِكراً وطرّزني
    جرحاً يُدارُ عليهِ الحمدُ والمسدُ
    من صوْتِ أمسيَ بيْ شكوى تلازمُني
    وتمتطي أرقي والنّاسُ قد رقدوا
    الشاعرة السورية/ لميس الرحبي.