حين يفكر العقل بلا تفكير

بقلم / سلافة سمباوه 

يظن كثيرون أن الإبداع نتاج جهد ذهني مضاعف، وأن الأفكار المبتكرة تُستخرج بالضغط على العقل وإطالة التركيز. لكن التجربة الفعلية تكشف عكس ذلك تمامًا، فالإبداع لا يُصطاد بالمجهود المباشر، بل ينبع من توازن دقيق بين ما يفعله العقل الواعي وما يعمل عليه العقل الباطن دون أن نشعر.

 

من يجلس أمام مكتبه محاولًا انتزاع فكرة بالقوة، غالبًا ما يصطدم بجدار من الفراغ الذهني. أما الأفكار الحقيقية فتأتي عادة في لحظات الاسترخاء، أثناء الاستماع لموسيقى هادئة، أو المشي في الهواء الطلق، أو حتى ممارسة نشاط بسيط لا علاقة له بالتفكير المباشر. المفتاح ليس في الطقس أو المكان، بل في السماح للذهن أن يشرد بحرية بعيدًا عن ضغط الإنجاز الفوري.

 

يفسر العلم هذه الظاهرة بمادة الدوبامين، وهي مادة كيميائية يفرزها الدماغ وترتبط بالشعور بالمتعة والراحة، وقد أظهرت الأبحاث أنها تُسهّل التفكير الإبداعي وتساعد على الوصول إلى حلول غير تقليدية. حين يكون الإنسان في حالة استرخاء، كأن يكون تحت الدش أو أثناء رياضة خفيفة أو تأمل هادئ، يتوقف العقل الواعي عن السيطرة، فيمنح العقل الباطن مساحة لربط الأفكار المتناثرة وإيجاد روابط جديدة بينها لم تكن ظاهرة من قبل.

المفارقة أن السعي المحموم وراء الإبداع يُبعد عنه أكثر مما يقرّب منه. فالإبداع أشبه بكائن حي رقيق، يحتاج إلى هدوء وثقة داخلية ليظهر، بينما القلق والاستعجال يخنقانه قبل أن يتشكل. الشخص الذي يسمح لنفسه بالتوقف عن الملاحقة، ويمنح عقله فرصة للتسكع الحر دون أهداف محددة، هو غالبًا من يفاجأ بالأفكار وهي تتدفق من تلقاء نفسها.

شاهد أيضاً

محمد بن سلمان.. قائد يصنع المستقبل وطموحٌ بحجم وطن

بقلم: المستشار الإعلامي علي بن عايض القرني تمر الأعوام وتتغير الأرقام وتتعاقب الأيام، لكن هناك …

اترك تعليقاً